/
/

في مقالتي الأخيرة المنشورة في مواقع عديدة والموسومة "أيها الناخب عزوفك عن الانتخابات خيانة للعراق"، وصلتني تعليقات كثيرة من قراء فسروا قصدي بأنني اتهم من لا يذهب للانتخابات بالخائن، وهذا الفهم يعد قصورا واضحا في الفهم وتأويلا غير منطقي وتعجلا في الرد غير الموضوعي وغير المنصف.

قصدت بالخيانة هي التخلي عن المبادئ التي يتشدق بها غالبية المعارضين لطبيعة الوضع السياسي وما تركه من سلبيات واثار خطيرة على عموم  العراقيين في جميع مفاصل حياتهم، الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية وإصلاح منظومة البنى التحتية وتوزيع العدالة الاجتماعية على كافة شرائح العراقيين دون التفريق في الانتماء الديني او العرقي او المذهبي او القومي او المناطقي وسواها من الفوارق الاجتماعية بين مكونات المجتمع العراقي بطيفه المتلون والذي اعتبره اغناء للعمل السياسي اذا ما توفرت روح المواطنة ومصداقية الانتماء الحقيقي للعراق لإخراج البلد من سيئات المحاصصة المقيتة والنزوع الطائفي في إدارة دفة الحكم، وهذه كلها من سمات الوضع الراهن متمثلة بكافة الكتل والمكونات والأحزاب التي تتسلط على رقاب العراقيين وقد لعبت بالعراق "شاطي باطي"، ورغم كل هذا الخراب في حياة المواطن العراقي المغلوب على أمره، نرى أن هناك ما زال العديد من المتضررين العراقيين من سوءات الوضع السياسي ونتائجه الكارثية، اما يصفقون ويباركون ويؤيدون ويقفون الى جانب الفاسدين واللصوص، الذين نجحوا وبامتياز الى تفتيت المجتمع العراقي الى تشكيلات قد لا نجد مثيلا لها في ارض الله الواسعة حين فرّطوا بالأمانة التي تعتبر اقدس ما ينبغي ان يحافظ عليها السياسي، تلك هي أموال الدولة التي وزعوها لمن ينتمي لأحزابهم ومكوناتهم ويقترب من اجنداتهم المشبوهة، بطريقة تنم عن استهتار حقيقي بمقدرات بلد ومستقبل شعب، دون بذل أي جهد لإعادة بناء وطن خرج للتو من محارق صدام القاتلة ومغامراته الصبيانية، ليدخلوه  في انفاق لها بداية ولا نهاية لها، بعد ان أفرغوا ميزانيته بطرق وقحة ولا أخلاقية، لنلاحظ ان من كان يستجدي دول المنافي والملاذات، يصبح بقدرة قادر من أصحاب العقارات والاملاك والشركات والارصدة داخل وخارج العراق، دون أن يتعرض للمساءلة والمراقبة والمحاسبة بمبدأ " من اين لك هذا؟" المعمول به في كافة دول العالم التي تحترم التزاماتها الوطنية والأخلاقية، تحت مراقبة ومتابعة كل المتابعين، مؤسسات دولة ومنظمات مجتمع مدني، والضرب بيد من فولاذ على المتسيبين والحرامية وناهبي ثروة البلاد دون أن تتحرك ضمائرهم الميتة أصلا.

إزاء هذا الخراب والفساد المخيف الذي، وهنا تكمن الكارثة، يصرح به فاعلوه ومرتكبوه أما الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بكل تنوعها، وبوقاحة ما بعدها وقاحة، دون ان يرف لهم جفن وبانعدام مخيف للضمائر الحية، بأسماء باتت معروفة لدى القاصي والداني، داخل وخارج العراق المنكوب، لتتدخل المنظمات الدولية بفضح هذه الملفات التي باتت روائحها تزكم الانوف، ومع ذلك لا نرى أي حراك حقيقي باتجاه إيقاف هذا النزيف المتواصل والمتعاظم لثروة العراق، وما نراه ونعيشه من بذخ وصرف الأموال الهائلة على الدعايات الانتخابية الا غيض من فيض من نهبه الفاسدون، وما يضيرنا وللأسف الشديد أن خطط اللصوص تجد نجاحات كبيرة باستمالة الاعداد الهائلة من العراقيين وهم يؤيدون من سرق اللقمة من افواههم لقاء مغريات بخسة وفتات رث، ناسين أنهم يرهنون مستقبلهم وعوائلهم واولادهم تحت رحمة المخربين بعد أن يمكّنوهم من البقاء على دفة الحكم ليكملوا مسلسل النهب، وبالتالي سيجد العراقي المغرر به، أنه غير قادر على ابسط وسائل العيش الكريم، بعد ان يكون قد ساهم هو نفسه بهذا الخراب والدمار وتفتيت البلاد، بعلم او جهل منه، ليجد نفسه في حيص بيص بحثا عن ملاذ يقيه حالة التشرد والجوع والحرمان القادمة، بعد أن يكون الفاسدون قد تمكنوا من الإفلات من العقاب وترك العراق انقاضا وخرائب، وكأنهم مخلوقات هبطت من أكوان بعيدة حاقدة على العراق والعراقيين، ليكملوا مسلسل خراب صدام وبطانته.

ألا تثير مثل هكذا أوضاع الحنق والغيض والاحساس بالخيبة وانت تجد من العراقيين من يدعوا للعزوف عن الانتخابات وعدم الادلاء بالأصوات الثمينة والتي من شأنها أن تختار الأصلح والأنزه والأشرف، وهذا ما يريده ويفرح له الفاسدون للبقاء على دفة الخراب، علما أن كل العراقيين يعرفون منْ هؤلاء الوطنيين الشرفاء الذين يقينا سيبذلون اقصى الجهود لإيقاف هدر المال العام وإعادة الأوضاع لمكانها الطبيعي ومعاقبة كل الفاسدين والمخربين واللصوص لينالوا العقاب المناسب، اليست هذه مطالب واماني كافة العراقيين الأحرار؟ إن هم فعلا يحرصون على عودة العراق معافى ونظيف من رجالات عبثوا بماله وامنه وسمعته وكرامة مواطنيه؟

إن اتهامنا بالخيانة لكل من يدعوا ويشجع ويدعم من لا يذهب للانتخابات، لا بمفهوم أن نعرّضه للمقاصل ونقطع عنقه أو نودعه السجون والمعتقلات، كما فهمها بعض القراء، وكما كان يهدد البعث الفاشي مناوئيه، بل نقصد هنا، قراءنا الكرام، خيانة المبادئ الوطنية، خيانة الانتماء الحقيقي للعراق، خيانة الضمائر الحية التي ينبغي أن تنتفض بوجه الفاسدين، خيانة المواقف الوطنية التي كم يحتاجها العراق والعراقيون اليوم، وقبل هذا وذاك خيانة للذات الإنسانية التي تسعى لفعل الخير ورفعة الوطن، سيما أن العراق كما قلناها ونقولها، ينتخيكم أيها العراقيون لكنس الفاسدين باختيار الاصلح والأنقى، وانتم تعرفون بعد ان تزيلوا الغشاوة عن عيونكم، من هؤلاء؟! بعد ان تعرفتم على كل الفاسدين بأسمائهم واحزابهم وانتماءاتهم ونواياهم الخبيثة وخياناتهم للأرض والانسان العراقي.

فلا تفسروا نوازعنا الوطنية على هواكم وهذا ما يثير حنقنا ويجعلنا نضرب اخماسنا بأسداسنا، ولكننا نعود فنقول للأحبة ممن لا زالوا يحملون تحت جوانحهم العشق الحقيقي للعراق، أن العزوف عن الانتخابات هي خيانة للضمائر الوطنية الحية.    

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل