/
/

وفق التقارير الأعلامية، اعتبر ترامب في 19 . 12 .2017 الوضع العالمي تحديا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية.وعد الصين وروسيا كمنافسين، خصوم، او تحدي لسياسة "امريكا أولا". ويريد ترامب ضمان وتعزيز هيمنة الولايات المتحدة، باعتبارها القوة الأكبر في العالم. إن طبيعة خطابه وتعاطيه السياسي يشكلان مادة لخلق الكوابيس. ويجري التحضير علنا للحرب، باستخدام أسلحة الدمار الشامل،  ضد جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية.والحرب، بالنسبة له، استمرار للسياسة بوسائل أخرى، وذلك في ظل الإفراط في التسلح للعديد من بلدان كوكبنا. والسؤال هو ماهي الاسباب التي دفعت قسم من راس المال الكبير للبدء بهذه السياسية ودعمها؟ ومن الواضح ان السبب، ضمن امور اخرى، هو الوضع السياسي في النظام الرأسمالي العالمي، الذي يسمح لأجزاء من الراسمال الاحتكاري باللجوء إلى الأساليب الإمبريالية  الأكثرعدوانية. وهي العلاقات  غير المستقرة والمضطربة أحيانا التي تشير إلى أن هذا النظام العالمي الذي تهمين عليه الليبرالية الجديدة يخرج من السكة ويتطور في اطار  تناقضات حادة. إن التناقضات المتنامية في النظام الرأسمالي وفي العلاقات الدولية وفي الحياة اليومية للكثير من الشعوب تخلق مزيدا من التحديات. ونشير، على سبيل المثال لا الحصر، بعض النقاط الملموسة:

  • إن الفقر والتخلف والجوع يجعل ما يقرب من مليار شخص يكافحون كل يوم من أجل البقاء على قيد الحياة ، في حين أن 1 في المائة من سكان العالم يحددون جميع ضرورياتها استنادا إلى تسلطهم الاقتصادي.
  • هناك أكثر من 60 مليون لاجئ في العالم. والحروب والكوارث الإيكولوجية والجوع والافتقار إلى الآفاق، اضافة الى الرغبة المفهومة في البحث عن ظروف حياة إنسانية تؤدي إلى هذه الحالة الكارثية. وتؤدي هذه الظروف، التي تنشأ تحت سيطرة رأس المال العابر للحدود الى مخاطر بعيدة المدى كالحروب وتراجع الظروف الاجتماعية نتيجة إلى أشكال رجعية في ممارسة السلطة عالميا وإقليميا وفي الولايات الأمريكية.
  • الظروف الإيكولوجية للحياة ولاستمرار البشر والكائنات الحية والطبيعة تتغير في عالمنا وتتطور بسرعة في اتجاه يهدد وجودها.

ان هذه التحديات وغيرها لا تكون متوازية، بل متشابكة وذات تأثير متبادل. والسمة العامة هي أن الناس في المناطق المتخلفة من هذه الأرض يعانون، وليس امامهم امكانيات يمكن ان تخرجهم من هذه الحالة الى اخرى اكثر تطورا.وتقع على عاتقنا نحن الشيوعيون الذين نعيش في دولة إمبريالية متطورة، مسؤولية وطنية، وأخرى أممية خاصة. ان التطورات الاقتصادية والسياسية في المانيا الاتحادية متقدمة وأكثر شمولا مما هي عليه في العديد من مناطق ودول في العالم. والتحليل اوالاستراتيجيات المضادة والتجارب النضالية في هذه البلاد، يمكن أن تكون لها اهمية في النضال الأممي. و يرى الكاتب عدم القيام كما يجب بتحمل اعباء هذه المسؤولية،.و يعتمد مسار الكثير من الصراعات ، وتوازن القوى في العالم اعلى تطوير سياسة يسارية في المناطق والبلدان المتقدمة.

واذا القينا نظرة على عام 2018 ، فسنجد برميل بارود وفتيل مشتعل، وليس هناك امكانيات لاطفائه.

مسؤولية الشيوعيين

إن إنهاء الحرب ومنع اندلاع حروب جديدة وتحقيق حلول سلام معقدة للمستقبل على أساس ميثاق الأمم المتحدة لا تزال مهمة مركزية للسياسة الشيوعية، والوصول اليها اولا كمسؤولية وطنية،يد بيد مع حركة السلام، والحركة المضادة للإمبريالية وحركة التضامن في البلد المعين. وهناك مقاومة قوية في المجتمع الألماني  للحرب والمشاركات الحربية خارج حدود المانيا، وتصدير الأسلحة، ورفع ميزانية الدفاع إلى 2في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، كما يطالب ترامب ومجمع صناعة الأسلحة. ومع ذلك، تتزايد  صادرات السلاح باطراد، وتشارك المانيا الاتحادية مباشرة في الحروب في جميع أنحاء العالم. وفي أوروبا، يتصاعد الصراع بين أوكرانيا وروسيا.

ويستطيع الشيوعيون ويجب عليهم ان يتركوا بصمتهم بقوة للنضال من اجل السلام في الساحتين الإقليمية والعالمية الى جانب فضائهم الوطني. وتعد حملة  (ICAN) لحظر اسلحة الدمار الشامل عالميا مثالا على المبادرات الناجحة الجديدة، وقد وقعت اكثر من 120 دولة من الدول الاعضاء فى الامم المتحدة على هذا الالتزام. ويمكن للأحزاب الشيوعية والعمالية أن تفعل المزيد لتعزيز انشطة السلام والمطالبة بنزع السلاح في جميع أنحاء العالم في 8 أيار، يوم الانتصار على الفاشية، وفي  1 أيلول، يوم الذكرى السنوية لاندلاع الحرب العالية الثانية. كما يمكن للذكرى السنوية لاعلان ميثاق الأمم المتحدة في 24 تشرين الأول أن تتحول الى يوم عالميا، لنشاط من هذا القبيل، ودعم المطالبة بالحظر الشامل لأسلحة الدمار الشامل.

إن الانخراط في مثل هذه الحركات والانشطة وطرح مواقف متقدمة، والدعوة إلى رؤية الشيوعيين لعالم من دون حرب واستغلال، والتشديد على مبدأ التضامن والعمل المشترك، سيخلق فرصا سياسية جديدة. بالاضافة الى  لتفعيل المناقشات واقترح البدائل للاتحاد الأوروبي، وعموم أوروبا، وفي سبيل أوروبا  خالية  من حلف الناتو.

 ان معارك الدفاع تحتاج أيضا، إذا أريد لها أن تنجح، إلى أفكار حول البدائل ووجهات النظر.وقد كانت المنتديات الاجتماعية فضاء للحوار ومصدر للافكار، وجمع وتبادل للمواقف والاستراتيجيات المختلفة.

وبالنظر إلى تجربة الأزمة المالية  والعواقب الاقتصادية الخطيرة للأزمة الاخيرة، فإن "القضية الاجتماعية" يجب أن تأخذ وضعا شاملا جديدا في السياسة اليسارية والاشتراكية والشيوعية. وفي بلدان جنوب أوروبا، لا تزال الأزمة مستمرة، وفي البلدان المهيمنة في الاتحاد الأوروبي، يزداد عمق الانقسام الاجتماعي بين الفقراء والاغنياء. وعالميا يتعمق سوء التغذية وتنتشر المجاعات بشكل هائل. وحتى في البلدان المتقدمة ، لا تزال الفجوة بين الأغنياء والفقراء تتسع، و تزداد التناقضات الطبقية حدة. وتؤدي الحروب والكوارث البيئية في مناطق كثيرة من العالم، إلى تفاقم سوء ظروف امكانية البقاء على قيد الحياة. ان لعمل والخبز ومزيدا من العدالة الاجتماعية هي مطالب راهنة، حتى بالنسبة لاوساط من سكان  أغنى البلدان.

والسياسة بالنسبة الى المنظمات والأفراد الذين يهتدون بالرؤية الفكرية لماركس، انجلس، لينين، وغيرهم من منظري الماركسية، يجب ان تكون مرة اخرى هجومية وبقوة في سبيل عالم خال من الاستغلال ومن اجل مزيدا من العدالة الاجتماعية. ويمكن ان تعطي مؤتمرات الاحزاب الشيوعية والعمالية العالمية زخما للعمل بهذا الاتجاه. و من المرجح التغلب على الخلافات داخل الاحزاب وفيما بينها عبر النشاطات المشتركة والمناقشات المصاحبة لها. وعلى الرغم من التناقضات يمكن للتطورات في الصين وفيتنام وكوبا، إن تكون نقطة انطلاق لمناقشات جديدة وتشبيك النشاطات لتحقيق اهداف مجتمعية - سياسية.

 ان هناك أوقات مضطربة، والظروف الدولية والإقليمية والوطنية والمحلية متحركة. وتفقد المرحلة التي تميزت أساسا بعواقب هزيمة الاشتراكية في أوروبا، زخمها. وتشكل العمليات الجديدة المتناقضة تحديات جديدة. والتعبير المرئي لهذه الأطروحة هو التطورات في أفريقيا، وحركة اللجوء الجماعي تتميز بالكوارث الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن هذا النظام العالمي الليبرالي الجديد، ولكنها تسبب أيضا انكسارات سياسية تؤدي إلى تغييرات خطيرة في أجزاء من القارة. إن التطورات في أمريكا اللاتينية، التي تتسم بعمليات تقدمية، تتغير حاليا في بعض البلدان، ونتيجة تأثيرات الليبرالية الجديدة  تتغير باتجاه رجعي. ولا يزال الصراع مفتوحا في بعض بلدان القارة كالبرازيل والارجنتين.

وعمليات متشابهة تجري في البلدان العربية وشمال أفريقيا والشرق الأوسط. والحروب الكارثية في العراق وسوريا واليمن، فضلا عن الصراع في فلسطين وإسرائيل، لم تنته بعد. وهي تراكم  المخاطر، لأن الحروب تجري بالوكالة والتناقضات في مصالح  القوى الكبرى تتصادم. وتركيا، وأيضا روسيا وإيران وإسرائيل تريد أن نعزز دورها وتأثيرها كقوى إقليمية.

ويجري التطور في شبه الجزيرة الكورية بشكل لا يمكن التنبؤ بمساره تماما ويزعزع  ايضا استقرار الأوضاع في هذا الجزء من آسيا. وتتحمل الحكومة الأمريكية مسؤولية التصعيد المتجدد. و وتستخدم الحكومة اليابانية والأجزاء المهيمنة من رأس المال أيضا هذا الوضع في سبيل بناء قوة عسكرية إقليمية. وأحد جوانب تقييم الحالة المعقدة في جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية تعكسها تجربة الحزب الشيوعي الالماني، وعليه يدعو الكاتب الى عدم تصنيف جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية بأنها تقدمية أو اشتراكية أو شيوعية. ويذكر بدعوة القيادة الكورية الشمالية قبل بضع سنوات  لوفد من الحزب القومي الالماني (النازي) وغيره من قوى رجعية. وقد احتج الرفاق الالمان بقوة ضد هذا التصرف، وهددوا في حال تجاهل احتجاجهم بانهيار العلاقات بين الطرفين. وفي حينها شدد الرفاق الألمان على الموقف الذي تتبناه اغلب الأحزاب الشيوعية وقوى اليسار في العالم، والداعي الى جعل هذه المنطقة، منطقة خالية من السلاح النووي. والوصول الى اتفاق سلام بين الكوريتين، والبدء بعملية بعيدة المدى تجعل اعادة توحيد البلاد ثانية ممكنة. وتؤثر  كل هذه التطورات أيضا على حياة الناس في ألمانيا وأوروبا.

إن موجات اللجوءوعواقبها هي الدليل العملي على التدويل السريع لجميع نتائج ما يحدث. وحسب معطيات الامم المتحدة هناك حاليا  اكثر من 65  مليون لاجئ في العالم. واذا لم يتم مكافحة اسباب اللجوء، فان احتمال تصاعد هذه الدراما قائم. ويعيش ملايين المتضررون في حالة صراع من أجل البقاء على قيد الحياة. والأوساط الأكثر فقرا من سكان البلدان المضيفة تصبح هدفا لضغوط اجتماعية متصاعدة. وتغتني  السياسية التي تنتهجها المراكز السياسية والاقتصادية المتسلطة وبلا رحمة من عمل الرقيق. ان تحريض الواحد ضد الآخر، وانتقاء الأعمال المربحة، واخيرا تحميل الناس التكاليف هي اليوم على جدول الأعمال. وتتحول التوازنات السياسية لصالح  توجهات وتعامل اليمين والرجعية والفاشية، تمثل نتاج مقلقة. وفي أوروبا، تظهر نتائج هذه التطورات في كل بلدية، وفي كل مدينة، وفي كل بلد.

إن مكافحة العداء للأجانب والعنصرية والفاشية الجديدة أصبحت مهمة سياسية ذات اولوية قصوى. وينبغي أن يكون إنشاء شبكة دولية طويلة الأمد للقوى التقدمية لهذه المهمة مشروعا للأحزاب الشيوعية الاشتراكية وغيرها من الأحزاب والمنظمات والنقابات التقدمية. ان تنمية حركة سياسية مجتمعية مضادة، تمتلك قوة الردع، في اوربا، وخصوصا في المانيا، ضد صعود اليمين، ومن اجل التضامن الأممي ممكنة، ويمكن بنائها على الكثير من التجارب الايجابية.

و الوضع الراهن  يؤكد اليوم هذه المهمة. فان  كان صحيحا أن 15في المائة من اعضاء النقابات يصوتون لصالح حزب "البديل من اجل المانبا" اليميني المتطرف، وعلى سبيل المثال، إن الكثيرين من المنحدرين من اصول تركية في المانيا، غالبا ما يدعمون اوردوغان، فان ذلك  يؤشر انعكاسا لضعفنا كقوى شيوعية ويسارية،اذا لم  نتخذ تدابير مضادة أكثر وضوحا. وهناك قناعة بان تدويل العمليات الجارية، المشاكل، العلاقات الاقتصادية والسياسية يتطلب حتما إجابات أممية جديدة. وإذا استطاع الشيوعيون وقوى اليسار تكثيف التعامل مع هذه المهمة، فان ذلك سيفتح افاقا لاشعاع السياسة ، والتنظيمات الماركسية، والشبيبة في المقدمة منهم.

و يتطلب ذلك اختراق نظري للتطورات المستجدة. ويمكن الاشارة إلى بعض التحديات، التي غالبات ما تُواجه باجابات سريعة، تؤدي إلى عدم الوضوح في التعامل معها:

  • من الضروري إجراء تقييم أكثر دقة لدور روسيا.
  • يجب مناقشة مشكلة اللاجئين علميا وسياسيا من منظور ماركسي
  • تجري مناقشة الانعكاسات العالمية للتطورات العلمية والتكنولوجية، وهو ما ينبغي تعزيزيه ايضا بمناقشات أممية.
  • هناك حاجة ماسة إلى تطور التصورات بشأن الاشتراكية، والطريق إلى الاشتراكية انطلاقا من التطورات التي مر ذكرها. ويجب زيادة تطوير المعرفة القائمة.

إن لدى شيوعي ألمانيا الاتحادية القدرة على المساهمة في هذه وغيرها من المناقشات الضرورية - دعونا نوظف ذلك!

لا يمكن النجاح في المهمة باعتماد أجوبة ووجهات نظر الأمس! ويجب الانفتاح بشكل بناء على جميع الآراء والمواقف المطروحة في الحركة الشيوعية وقوى اليسار في العالم بشأن هذه القضايا وتناولها في مناقشاتنا! 

*- عن مقالة بقلم هاينز شتير السكرتير الأسبق للحزب الشيوعي الألماني- نشرت في عدد اذار 2018 من مجلة الشرارة النجفية

تنزیل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل