/
/

في يوم الاثنين (28 شباط) دون انتظار او توقع، فوجئت، كما حصل لغيري من الرفاق والاصدقاء، بالغياب المؤسف والذهاب السريع، للكاتب والمفكر والسياسي والمناضل الصلب فالح عبد الجبار. صدمنا جميعا لهذا الحدث، وشعرنا  بحجم هذه الخسارة الفادحة.

كنت ما ازال، اعيش وعكة او انتكاسة صحية (منذ عدة شهور) فاذا بغياب فالح، يزيد من الألم، ويفتح شهية الحزن. هذا الانسان المتنور في افكاره والمبدع في مسالك النضال الوعرة، يغادرنا وهو في قمة العطاء والانتاج الفكري المتميز الذي خدم به الحزب الشيوعي والطبقة العاملة والشعب العراقي.

يعتبر فالح عبد الجبار من الاسماء المهمة من مثقفي الحزب. ومن النخبة الفكرية فيه، الذي له اسهامات سياسية وفكرية وثقافية واضحة، شملت كل جوانب الوعي الطبقي والوطني والثوري في العراق، منحته مكانة خاصة واهمية متميزة في الحياة السياسية والفكرية على حد السواء.

برع فالح في مجال البحث والتحليل والمتابعة للاحداث والتطورات، الى المستوى الذي لم يضاهيه، او يصل اليه، الاّ نفر قليل من اقرانه مثل عصام الخفاجي وسعد عبد الرزاق، او من العراقيين من الاتجاهات الفكرية الاخرى. كان لفالح محاولات فكرية جريئة، اكدت وبينت قدراته المتميزة في دعم النظرية الماركسية وما تنطوي عليه من طروحات نظرية قابلة للتجدد والحياة وبرهن في اكثر من مكان، وفي اكثر من مناسبة على قوة الفكر الماركسي وقدرته على التحدي.

تعود معرفتي له، وعلاقتي به، الى السبعينات من القرن الماضي (العشرين) حيث جمعتنا لقاءات واجتماعات ونقاشات تتعلق بسياسة الحزب ونشاطه في تلك الايام الخوالي. كان فالح عبد الجبار من مثقفي الحزب الاكثر حيوية ومتابعة لنشاط الحزب ولتطور الاحداث في العراق في كافة المجالات خاصة الفكرية منها. ولفت انتباهي في ذلك الوقت سعة معارفه الفكرية وثقافته السياسية الموسوعية ومعلوماته التاريخية الشاملة واهتماماته الاجتماعية والاقتصادية.

ولم يتوقف اهتمام فالح على الجوانب الفكرية خاصة في مجالات التنمية والتطور الاقتصادي والسياسي وبناء التجربة الديمقراطية وتطوير الحقوق القومية في العراق، فقد شغلته الصحافة واحتل الادب جانب من نشاطه الثقافي. وكتب في ذلك الوقت تغطية صحافية متميزة، اشبه ما تكون بسرد "روائي" رائع عن الثورة البرتغالية، والاحداث التي هزت ذلك البلد الاوربي (الرأسمالي الصغيروالفقير والمعزول) رغم موقعه الجغرافي المتميز في اقصى جنوب غرب القارة الاوربية. لقد كان مبدعا حقا في كل مجالات الكتابة، فضلا عن استخدامه لتقنيات متطورة في الوصف والتحليل والاستنتاج والمقارنة.

الشيء الآخر الذي اعجبني فيه، واثبت شجاعة الرجل وتفانيه في سبيل ما يعتقد به، هو التحاقه بقوات الانصار التابعة للحزب، في تلك الظروف القاسية والاجواء المتناقضة والاراء المتعددة وكثرة النقاشات حول هذا الأمر في صفوف المنظمات الحزبية وخارجها. وحدث بشأن ذلك الكثير من الجدل، وقيل العديد من الاشياء الصحيحة وغير الصحيحة لا مجال لذكرها هنا او الخوض في تفاصيلها في هذا الوقت غير المناسب.  

بقيت علاقتي بفالح محدودة، واهتماماتي بعيدة بعض الشيء عن ما كان يهتم به ويتابعه. لقد عاش حياة "عمل" غير سهلة، وتعرض لظروف صعبة، واجهت طموحاته وتطلعاته الكثيرة، لكن ارادة التصميم، والرغبة في النجاح لم تخذله او تضطره الى التخلي عن ما كان يهدف اليه او يخطط لتحقيقه.

في التسعينيات من القرن الماضي (العشرين) حدثت اشياء خطيرة، اصاب بعضها العراق بالصميم، وتحول هذا البلد "المحارب" نيابة عن الامة العربية، والبلد "الغازي" للعالم من اجل وحدتها، تحول هذا "العراق" الى دولة "منبوذة" وبلاد محاصرة بالعقوبات واجراءات دولية غير مسبوقة لفرض العزلة الشاملة.

في تلك الظروف، وفي وسط تلك الاجواء التي غيرت الخرائط، واثارت زوبعة من التوقعات والاحتمالات، انتقل فالح عبد الجبار الى لندن، وقرر الاقامة فيها. بدأت علاقتي به تتعزز، ولقاءاتنا تكثر. شكلت تلك الانتقالة، التحول الأهم في حياته، بما تعنيه من مصاعب وتحديات وطموحات "حسب ما قال لي يوما".

في تلك المرحلة، غيّر فالح عبد الجبار اهتماماته، وزاد من نشاطه العلمي، وركز على القضايا الجديدة في مجال العلوم الاجتماعية، والربط بينها وبين العلوم السياسية والاقتصاد. اهتم كثيرا في موضوعات فكرية ونظرية وطروحات معاصرة بشأن الدولة الحديثة، ومراحل تطورها في العراق وفي دول العالم المتخلف.

وبدأ الانفتاح على الفكر الليبرالي، ودراسة المنتوج النظري لمدارسه المتعددة، وتوصل الى استنتاجات مهمة وقناعات جديدة، اثار اعجابي قدرته في تفهم ذلك الفكر والدور الذي خدم به البشرية الى جانب الفكر الاشتراكي والماركسي على وجه التحديد.  

شغلت اهتمامه قضايا جديدة في مجال الفكر وفي انشاء مواقع او "مؤسسة" علمية تحقق بعض طموحاته، ونجح في ذلك الى حد ما، لكن ليس الى المستوى الذي يطمح او يريد. ذهب فالح وهو في أغزر مراحل العطاء، وكان لديه الكثير ليقول وينجز، لكن الأقدار لا ترحم والزمن لا ينتظر. تعازينا لزوجته الكاتبة المبدعة فاطمة المحسن لهذا الحدث الصادم، وهذه الخسارة الكبيرة، التي هي خسارة لنا جميعا، من رفاق واصدقاء ومحبين، الذين سوف يتذكرون فالح على الدوام. 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل