/
/

 خمسة عشر عاما مرت على سقوط نظام الطاغية المقبور، ذلك اليوم الحزين والمفرح معا للعراقيين اختلطت فيه مشاعر الفرح والأسى في آن واحد، كون العراقي المرتبط بوطنه والمحافظ على كرامته لم يكن يرضى أن تحتله قوى أجنبية وتحط من كرامته، لأن الوطن هو الخيمة المقدسة التي لا ينبغي أن تطالها حالات الهوان والعسف وبالتالي الحط من كرامة المواطن، ولكن من جهة أخرى كان العراقيون يراهنون على سقوط نظام البعث الفاشي بأية وسيلة كانت للتخلص من هول القمع وغياب الحريات والتخلص من اعتى نظام قمعي فاشي مخيف، لم يكن يفرق بين انسان وانسان حتى ضمن المقربين له، الذين امتدت اليهم هم أنفسهم سياط الموت، بعد أن كانوا أبواقا له تمجد بحياة القائد الضرورة الذي ما كان العراقي المغلوب على أمره يتصور ولو في الأحلام بأنه سيأتي يوم الانعتاق من هكذا آلة موت امتدت لتفاصيل حياة العراقي واستحكمت بقوة على يوميات عيشه ليتحول مثل آلات الروبوت المسلوب الإرادة، حيث لم يكن يتحكم بأموره اليومية الخاصة جدا، خوفا من أذرع البطش التي تترصده حتى في غرفة نومه، فقامر مرغما على مستقبل وطنه بقبول قوات احتلال، ما كان لها أن تستبيح حرمات الوطن لولا وجود طغمة فاشية عنيفة وسادية متسلطة على رقاب العراقيين عبثت وقامرت بكل شيء، فكانت الكارثة، كان العراقي حينها كمن يعاني من قسوة ما تؤول اليه الأحداث القادمة بعد أن حشرته الوضاع الجديدة والمفاجئة في حيص بيص القرار الصعب.

هل يقبل الاحتلال وإلغاء سيادة البلد مقابل ان يتخلص من كابوس القمع البعثي ليعيش واقعا جديدا غامضا من الصعب معرفة ما تؤول إليه الأحداث القادمة والتي ستبقى نتائجها معلقة في مسار الغيب والمجهول؟  

ومن ثم يعمل مع المحتل، وهنا تكمن الكارثة، لم شمل المعارضين للنظام الصدامي، لإدارة البلد بالاتفاق مع قادة الجيوش المحتلة أو من يمثلهم، ليتضح لاحقا وللأسف الشديد أن جل من دخل في هذا النفق الغامض والمظلم، لم يكونوا بمستوى القادة الذين نذروا أنفسهم لبناء دولة جديدة تبنى على قيم العدالة والحريات وتصحيح مثالب الوضع المنهار واحلال صيغ التعايش السياسي والوطني المبني على الاعتراف بحق الجميع في إدارة البلد وتنظيم انتخابات بإمكانها ان تؤسس لنظام ديمقراطي يسمح للجميع بالمشاركة الفاعلة وتكريس الطاقات العراقية في إعادة البناء ووضع البلد على المسار الصحيح ومن ثم التدرج في تجاوز حالات الهدم والخراب التي اورثوها من النظام المنهار.

هنا كانت بداية الكارثة التي عاشها العراق وعانى منها العراقيون حين تحول القادمون الجدد ممن كانوا بالأمس من أشد أعداء النظام الصدامي وقدم العديد من هذه الأحزاب الضحايا والقرابين وانهار الدماء إزاء القمع البعثي والمجازر التي ارتكبها يحق الأبرياء، تحولوا بقدرة قادر الى ألد أعداء العراق حين اتفقوا عن بكرة ابيهم على وضع نظام سيء الصيت والفعل الذي قسم العراق الى مناطق ومذاهب وإثنيات وقوميات وكتل وشيع وأحزاب وتشتت الجهود بعكس ما كان ينبغي أن تتوجه، بتوزيع المناصب والامتيازات والحصص بطائفية مقيتة، وتحولت هذه الأحزاب الى تشظٍ فاق بعدده واتجاهاته ومآربه وأهدافه وسعيه للاستحواذ على المكاسب بتسارع وتنافس وتقاتل مخيف، كل تصور، تاركين البلد في حالة من الفوضى والتشتت والاقتتال الداخلي والإحترابات التي طالت حتى البيوتات العائلية، ليتحول العراق من أخطر وأسوء وافسد بلدان العالم باعتراف أبناء الوطن الذين هربوا بجلودهم من لهيب الطائفية والاقتتال العراقي العراقي، دون موجب، وباعتراف دول العالم عبر المنظمات الدولية المراقبة للأحداث.

هنا لا نريد أن نكرر ما حصل في العراق من تراجعات كارثية خطيرة يعرفها العراقيون بكل تفاصيلها، حيث افقرت الناس وأغنت منتسبي الأحزاب والكتل، وأبقت على العراق مخربا منبوذا مهدما، لا يحتكم على أدنى حالات العيش الكريم لعموم العراقيين، فلا مدارس ولا مستشفيات ولا كهرباء ولا ماء ولا بنى تحتية ولا تخفيف من البطالة ولا رعاية اجتماعية لإنقاذ الفقراء ولا بطاقة تموينية حقيقية تشبع الأفواه الجائعة ولا فرص عمل، ولا توظيف للكفاءات ولا كرامة وسمعة يعتد بها العراقيون امام ساكنة الأرض، وحلت محل كل هذا الخراب المقصود حالات من الفساد والنهب والسرقات واحلال الرشاوى بدل روح المواطنة النزيهة، بحيث تمكنت هذه الأحزاب أن تفرّغ خزينة العراق وتكبله بالديون الدولية، ونحن نعيش خارج العراق، نسمع ونرى ونعايش مخلوقات تنتمي لهذه الكتل والأحزاب، اثرتْ بشكل مخيف وظهرت مافيات تتعامل وتمتلك ملايير الدولارات بعد أن كانت تستجدي لقمة العيش من دول الملاذات قبل السقوط، ناهيكم عن ساسة الداخل الذين تحولوا بين ليلة وضحاها الى اباطرة مال وحظوة وقرار لا يمكن ان توجه لهم أصابع الاتهام، كونهم محميون من عصابات مسلحة ومليشيات شرسة خارجة عن سلطة الدولة وباتت مصدر تهديد للمجتمع العراقي برمته. لتبقى حيرة العراقيين وحتى غير العراقيين مستفزة، من أين جاء هؤلاء؟ وهل من المعقول أنهم كانوا معارضين لنظام قمعي، كان يجب أن يصححوا مساراته؟ ولماذا كل هذا العداء الدفين للعراق والعراقيين حين تفرغوا وبتكالب غريب الى افلاس خزائنه وافقار مواطنيهم؟ وأسئلة حارقة أخرى لا زالت تقض مضاجع المراقبين عراقيين وغير عراقيين.

هنا يأتي السؤال العريض ونحن مقبلون على الانتخابات:

بعد كل هذا الخراب الذي سببه هؤلاء، ما المطلوب من العراقيين ان يفعلوه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعد أن تبينوا أن هذه الأحزاب والكتل والمكونات الإسلامية وغير الإسلامية ممن يدّعون الوطنية زيفا عاثوا فسادا وخرابا ونهبا وسرقات بمقدرات البلد، ولم تخرج منهم كلمة ندم واحدة، ولم يبادر من له سلطة القرار أن يلاحق الفاسدين ويعاقبهم بوجود مؤسسات قضاء وهيئات ومنظمات نزاهة لا تحمل غير الاسم بدعوى محاربة الفاسدين؟  

هل تخلص العراقيون من الوهم وتحرروا من أكاذيب الفاسدين بعد أن خدروا البسطاء منهم، بأنهم يدافعون عن الدين، وأي دين هذا الذي يبيح كل ما فعله اللصوص وباسم الدين والمذهب والعقيدة.

فنقول إن الدين والمذهب والعقيدة كلها بريئة مما فعلوه من أفعال تندى لها البهائم قبل البشر.

لم يتبق للعراقيين من أمل غير أن ينتفضوا على هذه المخلوقات الرثة وأن ينظفوا الواقع السياسي من هؤلاء اللصوص والفاسدين، سارقي لقمة الفقراء من افواههم دون أدنى تأنيب ضمير انساني قبل أن يكون ديني أو مذهبي.

إنها الفرصة الأخيرة للخروج بالعراق الى بر الأمان ايها الناخبون وكفاكم تصديقا لمن يريد أن يدمر حياتكم وحياة اولادكم ومستقبل الأجيال العراقية القادمة وتفتيت العراق شيعا وأحزابا لأنهم يتحركون بأجندات معادية للعراق بماضيه وحاضره ومستقبله.

لا تتخلفوا عن الادلاء بأصواتكم التي هي سبيل الخلاص من اوضاعكم المزرية وكنس الفاسدين.

وكل من يدعوا للعزوف عن الانتخابات فهو إما مدفوع من فلول الفاسدين أو وصل به اليأس من عدم جدوى الانتخابات. وان العزوف لعمري لخيانة عظمى.

وهنا تكمن المعضلة، لأن بقاء جيوش الفاسدين على دفة الحكم يعني نهاية العراق تماما، وعلى كل عراقي متضرر أن يبحث له عن وطن أو ملاذ، إن تمكن الفاسدون بالبقاء على سدة الحكم، فالتغيير بأيديكم ورسم مستقبل العراق أنتم من تقررونه.

وقد اعذر من أنذر

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل