/
/

التركيز الجاري في كل الازمات او الحروب على الدمار الذي تسببه الحرب والقتل والرعب الذي تعاني منها الشعوب وتبادل الاتهامات بين المقاتلين لما يقومون به من اعمال منافية لكل القيم الإنسانية وهذا ما تبرزه وسائل الاعلام، وينسى الجميع البعد الجيو- سياسي والخلفيات الاقتصادية وراء كل ما يحدث من الدمار والابادة الجماعية ومن يقف وراءها، وهذا ما يحدث بالضبط في منطقتنا. حيث المسالة تتجاوز اسقاط دكتاتور او من اجل الحريات الديمقراطية التي هي مفقودة أصلا في جميع دول المنطقة.

‎ نهاية القرن الثامن عشر اثناء الثورة الصناعية كانت مصادر الطاقة المحركة للألة الصناعية الغربية والأمريكية الفحم الحجري وكانت اكثر الدول الصناعية تحصل على ذلك بدون عناء لكن بعد التطور الهائل للصناعة وتعدد اوجهها بدأت الدول الصناعية التي أصبحت دول استعمارية ، بدأت بالبحث عن المصادر البديلة وكان النفط هو الأفضل والاسهل استعمالا من الفحم الذي بدأ ينضب ولا يحتاج تكاليف عالية لنقله فالدول الاستعمارية ركزت جهودها للاستحواذ على اغلب أماكن تواجده وخصوصا إن النفط وجد في أماكن لم تصلها التكنولوجيا بعد فاستغلت الدول الصناعية ذلك ، واصبح مكان تواجد هذه الخامات مصدر للصراعات ثم حاولت الدول الكبرى إيجاد بدائل عن البترول مثل الطاقة النووية حيث استعملت بكثير من المجالات لكن ثبت ان هناك ضرر كبير للبيئة وللبشر من خلال استعمالها خصوصا التخلص من النفايات النووية ، هنا جاء اكتشاف الغاز وبكميات هائلة في القرن الحادي والعشرين وهو افضل وانظف بديل كطاقة رئيسية وخصوصا التراجع الدرامي في احتياطيات النفط عالميا. ‎ هنا لا اريد ان اطيل عن خطوط سير امدادت الغاز في هذه المقالة حتى لا ابتعد عن عنوان الموضوع وسوف اتحدث بالتفصيل عن ذلك.

‎روسيا الاتحادية حالها حال الدول الرأسمالية الأخرى لا تفكر الا بمصالحها الخاصة وهي دولة رأسمالية ضعيفة اقتصاديا حيث اقتصادها يعتمد بشكل كبير على الريع المعتمد على تصدير المواد الأولية غير المصنعة مثل البترول والحديد والاخشاب والغاز فيشكل ذلك حوالي 60% من اقتصادها واي انخفاض في أسعار هذه المواد بالسوق العالمي يؤدي الى هزة عنيفة باقتصادها وهذا حدث بالفعل عام 2015 عند انخفاض سعر النفط حيث انخفضت عملتها وارتفع التضخم الى نسب عالية جدا.

‎ فخلال الأربع سنوات من الصراع الطاحن في سوريا بقيت روسيا متفرجة ومراقبه إضافة الى تزويدها للجيش السوري بالأسلحة قديمها وحديثها مستفيدة من هذه الميزة لكون تسليح الجيش السوري يعتمد على السلاح الروسي ومن الصعب تغيير مصادره وخصوصا في هذه الظروف، من جانب اخر تمتعت المعارضة السورية بتنوع مصادر تسليحها وخصوصا حصولها على الأسلحة الحديثة حيث هناك الإمكانات المادية الهائلة للقوى الداعمة لها على سبيل المثال قطر وكذلك انفتاح حدود الدول المجاورة لدخول الأسلحة والمقاتلين من انحاء العالم وهنا أصبحت إمكانية الجيش السوري الذي حصلت فيه انشقاقات غير قادر لصد هذا العدوان وسيطرت هذه القوى على اكثر أراضي سوريا وبدأت تقترب من الساحل السوري الذي تتمركز به قواعد بحرية روسية التي اصبحت مهددة ، إضافة لكون نسبة كبيرة من مقاتلي المعارضة جاءوا من مناطق اسيا الوسطى حيث ان هذه الجهوريات الاتحادية مع روسيا يشكل المسلمون الأغلبية الساحقة بها وهؤلاء المقاتلون يتحدثون أغلبهم اللغة التركية شكلوا فصائل خاصة بهم ولقوا الدعم الكبير من تركيا وحلفائها حيث تركزوا في مناطق جبل التركمان الذي يقع بريف اللاذقية وبالتالي يهدد وجود القوة البحرية في الساحل وهي القاعدة الوحيدة للبحرية الروسية في المياه الدافئة وهؤلاء اذا حققوا انتصارا كبيرا في سوريا سينعكس على دول اسيا الوسطى وتشجع التمرد في شعوبها خصوصا اصبح هناك مقاتلون متمرسون . كل هذه العوامل إضافة الى قرب القتال من الحدود الإسرائيلية السورية علما انه في الفترات السابقة كانت إسرائيل تدعم المعارضة السورية لوجستيا ضد حكم الأسد وعالجت الالوف من جرحاهم في إسرائيل. لكن إسرائيل لا تريد اسقاط الأسد بل اضعافه ووصول المعارضة غير المنضبطة للحكم ممكن ان تسبب مشاكل ليست بالقليلة لإسرائيل ، من هنا جاء دخول روسيا مباشرة في الحرب السورية بدفع من إسرائيل إضافة الى المحافظة على مصالحها الاقتصادية وخصوصا الاكتشافات الكبيرة لبحيرات الغاز شرق البحر الابيض المتوسط ولكن قبل كل ذلك جرى تنسيق على اعلى المستويات مع إسرائيل فعقدت اجتماعات بين رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية ، ياري غولان ، ونظيرة الروسي - نيكولاي باغدانوفسكي - فكانت هناك غرفة عمليات مشتركة من كبار الضباط الروس والإسرائيليين من اجل تنسيق امني في المنطقة بين الجيشين وقد اعلمت روسيا اسرائيل بالضربات الجوية داخل الأراضي السورية . بهذه الطريقة وكذلك سعي روسيا لتسويق أسلحتها الحديثة وتجد في القتال الدائر خير طريقة لذلك، وهذا بالفعل ما حدث فزادت مبيعات أسلحتها اضافة الى الصفقات الكريمة للتنقيب والتسويق للغاز والفوسفات لعقود طويلة المعقودة مع الحكومة السورية، ازاء ذلك هل ستبقى القوى الاخرى مكتوفة الايدي امام نفوذ روسيا وإيران الداعمتين للأسد.

أمريكا اقوى دولة في العالم بإمكانياتها الاقتصادية والعسكرية تمتاز بقدرتها لخلق الازمات كدولة امبريالية في سبيل تنشيط وتطوير اقتصادياتها ولا يهمها القتل والتدمير فالإمبريالية لا قيم لها سوى مصالحها فأمريكا لها قابلية كبيرة لإدارة الازمات التي خلقتها وتوجيهها لخدمة مصالحها ، فدول منطقة الشرق الأوسط اغلبيتها أدوات لتطبيق السياسة الامريكية في المنطقة واغلبيتها ذات اقتصاد قوي وهذه الميزة تستغلها امريكا لتطبيق مشاريعها ، صحيح هناك مشاريع أمريكية يتعثر تطبيقها او حتى تفشل لكن هناك العديد من البدائل المخطط لها سلفا وما التغيرات اليومية لخارطة الصراع الدائر في سوريا الا دليل على ذلك ، فدعم المقاتلين الاكراد في شمال شرق سوريا في البداية من قبل روسيا وتخليها بسرعة عنهم اكبر دليل على ذلك حيث تركوا كفريسة للجيش التركي القوي جدا وهذا مثال بسيط وسوف ننتظر كثير من الضغوط الامريكية والتنازلات الروسية في الفترات المقبلة وبالتأكيد ضمن اتفاق تركي امريكي روسي لضمان مصالحهم الاقتصادية فالضغوط التركية على روسيا كبيرة جدا حيث وقعت على مشروع القرن مع تركيا واقصد السيل الشمالي مشروع الغاز الذي تحلم به روسيا وبدأ تنفيذه بشكل سريع وبتكاليف عشرا المليارات من الدولارات واي تحرك روسي ضد طموحات تركيا ومحاولة قضاءها على الحركة الكردية في المنطقة وفرض هيمنتها على المنطقة يعني خسارة روسيا لحلمها لصفقة القرن الذي عملت لتحقيقها منذ عقود ومنعت الدول الاسيوية مثل تركمانستان التي تعتبر ثالث دولة بالعالم باحتياطيات الغاز حيث افشلت روسيا مشاريعها لمد خط انابيب الغاز الى اوربا عبر بحر قزوين وبالتالي أجبرت لبيع غازها ولعقود الى روسيا صاحبة الخبرة في هذا المجال حيث سيكون جزء من الغاز الذي سيصل الى اوربا عبر السيل الشمالي . اذن بهذه الظروف المعقدة وفي ظل موازين قوى عسكرية واقتصادية ليست بصالح روسيا سوف تتذبذب مواقفها بشكل درامي وسريع وخصوصا ان أمريكا وحلفاءها عززوا مواقعهم في الأراضي السورية في شرق سوريا واحتلوا مناطق غنية بالخيرات الطبيعية نفط وغاز وفسفور وهنا أؤكد بان روسيا سقطت في فخ مدروس مسبقا وبشكل جيد من أمريكا وحلفاءها ومن الصعب الهروب منه وروسيا بدعمها نظام شمولي ولم تعمل لتصحيح مساره لإعطائه ابسط الحريات والحقوق للأقليات المتعايشة في سوريا وبهذه الظروف التي يمر بها على سبيل المثال الحقوق القومية للشعب الكردي .

تنزیل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل