/
/

قبل أيام قليلة  استضافني " المنبر التقدمي " البحريني  في ندوة عن ذكرى يوم الأرض الفلسطينية حيث ألقيتُ خلالها محاضرة استعرضت فيها الدور التاريخي الذي لعبه المناضلون الشيوعيون الفلسطينيون داخل أراضي عرب 48 للمحافظ على هُويتهم العربية والقومية وانقاذها من الانقراض كأقلية داخل إسرائيل في بحر من الاغلبية السكانية اليهودية والتي جاء معظمها إلى فلسطين العربية بالهجرة عنوةً بتنظيم ورعاية من الحركة الصهيونية وبدعم مباشر من القوى العظمى الامبريالية ، ولا سيما بريطانيا ( دولة الانتداب البريطاني ) والولايات المتحدة الاميركية ،  كما تناولت ايضاً الدور المحوري والأساسي الذي لعبه الحزب الشيوعي  في التحضير ليوم الأرض في الثلاثين من آذار / مارس من العام 1976 لتعبئة أوسع قطاع من الجماهير العربية ،  من عمّال وفلاحين وقوى كادحة ومهمشة ، لإعلان الإضراب العام احتجاجاً على سياسة مصادرة وتهويد ما تبقى من أراضٍ تبقت تحت أيدي هذه الأقلية العربية الفلسطينية ضمن المساحة التي أستولى عليها اليهود المتصهينين وأقاموا عليها كيانهم العنصري "إسرائيل " . وقد نجح الإضراب رغم كل تهديدات وضغوط ومساعي السلطات الاسرائيلية الخبيثة لإفشاله، ورغم لجوئها أيضاً لقمعه وفضه بالقمع الوحشي وسقوط ستة شهداء، واعتقال المئات وفصل العديدين من وظائفهم.. وأصبحت ذكرى ذلك اليوم العظيم بعدما كانت تخص عرب 48 مناسبةً تاريخيةً وطنيةً فلسطينيةً عامة يُحتفل بها سنوياً ويُحيي ذكراها الفلسطينيون كافة في مختلف أماكن وجودهم لتجديد الاحتجاج على سياسة التهويد ليس في أراضي 48، بل وفي الضفة الغربية والقدس وللاحتجاج كذلك على سرطان المستوطنات المستشري، وللتأكيد على تمسكهم بكامل حقوقهم المشروعة غير القابلة للتصرف ومنها حقهم في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس وحقهم في العودة. 

وفي سياق تناولي للرموز الإبداعية والأدبية التي برزت في الوسط الاجتماعي لعرب 48 تحدثت أيضاً عن الدور الذي لعبته صحافة الحزب الشيوعي " راكاح "  : الاتحاد والجديد والغد في احتضان الرموز الأدبية الشابة المنضوية تحت راية الحزب نفسه على صفحاتها ، وهي التي سرعان ما أمتد بروز أسماؤها ونتاجاتها إلى خارج الخط الأخضر على امتداد العالم العربي ، وبخاصة بعد هزيمة 67 بعدما ظلت أعمالها لسنوات غير قليلة مُغيّبة أمثال الشعراء  محمود درويش وسميح القاسم وسالم جبران ، فضلاً عن جيل الروّاد أمثال الروائي إميل حبيبي والشاعر توفيق زياد .

وكان الشهيد الراحل غسُان كنفاني، رئيس تحرير مجلة " الهدف " الناطقة بإسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والتي كانت تصدر من بيروت، هو أول من لفت نظر النخبة المثقفة العربية إلى إبداعات وانتاجات اشقائه المناضلين من الرموز الإبداعية لعرب 48 في كتابه الذي أصدره عام 1966 الموسوم " أدب المقاومة في فلسطين المحتلة "، ثم في كتابه الثاني " الأدب المقاوم تحت الاحتلال من 1948 - 1968 " والذي أصدره بعد نكسة 1967.  

والحال فقد سنحت لي الفرصة من خلال التفاعل مع مداخلات الحضور بأن أنوّه،  وإن على نحو مقتضب في حدود الوقت المُتاح للمحاضرة، إلى إشكالية العلاقة بين المثقف أو الأديب المُبدع في عالمنا العربي وحزبه اليساري الذي ينتمي إليه ؛   وتناولت في هذا الصدد نموذجين ممن أشرت إليهما آنفاً : الأول ويمثله الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش والذي برزت مواهبه المبكرة الواعدة على صفحات صحافة الحزب الشيوعي العربية داخل إسرائيل ألا هي الاتحاد والجديد ، لكنه كشاعر ذي مشاعر مرهفة لم يتحمل الحصار العنصري الخانق الذي تفرضه السلطات الاسرائيلية على عرب 48 وتعرضه للاعتقالات المتكررة الأمر الذي يحول دون تفجر ينابيع موهبته الإبداعية الواعدة ، فكان قراره المعروف بهجرته الى بيروت إحدى عواصم الثقافة العربية مروراً بالقاهرة ، ناهيك عن كون بيروت  تحتضن حينذاك مقر منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية المسلحة  مروراً .  ورغم قرار الحزب بفصله لعدم إطلاعه بما ينوي الإقدام عليه فقد أثبتت الاحداث صحة قراره باتخاذه المهجر العربي مقراً لإقامته، حيث أعطى من خلال موقعه وارتفاع قامته الإبداعية النضالية ووصوله إلى العالمية.. أعطى الثورة الفلسطينية وقضية شعبه في الداخل والخارج مالم يكن بوسعه أن يعطيه لو استمر في أراضي 1948 مجرد مناضل حزبي مثقف وإن كان يتمتع بمواهب أدبية. 

ولعل الحفاوة الكبيرة التي اُستقبل بها في مدينة حيفا بين رفاقه ومحبيه وعشّاق شعره والذين جاءوا بالمئات أو الآلاف من كل حدب وصوب من مدن وقرى الجليل وغصت بهم قاعة "الأوديتوريوم " فوق سفح جبل الكرمل الذي لطالما ناجاه في قصائده و أسمىٰ المجلة التي  رأس تحريرها بإسمه والتي - القاعة - ألقى فيها واحدة من أجمل وأروع قصائده قبل عام واحد فقط من رحيله التراجيدي المؤلم - إثر عملية قلب دقيقة خضع لها - بعد غياب قسري دام أكثر من 35 عاماً  ( 1970 - 2007 )  لهو أسطع دليل قاطع على الاعتراف الضمني ، حزبياً وجماهيرياً ، بصواب قراره بهجرته القسرية من وطنه بأراضي 48 إلى المهجر العربي حيث لمس الجمهور في تلك الاُمسية التاريخية ، وبخاصة نخبته المثقفة مدى النضج الإبداعي والتألق الشعري الذي وصل إليه الشاعر الكبير  درويش في منفاه العربي مقارنةً ببداياته الشعرية الأولى  وهو شاعر شاب محاصر من السلطات العنصرية الاسرائيلية  على أرض وطنه . 

النموذج الثاني والذي قُيّض له أن يعيش الشطر الاكبر من حياته القصيرة في ظروف الهجرة الإجبارية منذ نكبة 48 فيمثله الشاب القاص والروائي المناضل المُبدع غسان كنفاني والذي فجّر الموساد جسده بطريقة بشعة في بيروت بمعية إبنة اخته لميس ذات ال 19 عاماً في سيارته وهو يهم بتشغيلها ، وما كان في تقديري ليستهدف العدو هذا المبدع والروائي الكبير وهو في أوج عطائه الإبداعي لو لم يكن يشغل مركزاً قيادياً حساساً في فصيل وطني مُقاتل  ألا هو " الجبهة الشعبية " ويرأس تحرير مجلتها الناطقة بإسمها والتي تنشر عملياتها  القتالية ضد العدو .  بطبيعة الحال ليس بعيداً أن تطاله أيدي أعدائه وأعداء شعبه الاسرائيلية لكن ما كان ليُستهدف بطريقة ترصدية ومنهجية من قِبل الموساد من خلال تلك العملية الإجرامية   بتصفيته في بيروت في ذلك اليوم الصيفي المشئوم من تموز / يوليو عام 1972. إذ كان لو اُعطي مهاماً حزبية أقل واُسندت لرئاسة تحرير مجلة هذا الفصيل المسلح الذي ينتمي إليه لمثقف او صحفي فلسطيني آخر فكم كان بوسع هذا المُبدع الكبير أن ينبغ وتتفجر مواهبه الإبداعية بصورة أعظم لتسخيرها في خدمة قضية شعبه بل وحتى فصيله الوطني نفسه أكثر من مجرد ايفائه بمهام صحفية يستطيع غيره الإيفاء بها. يكفي أن نقرأ  مثلاً  روايته المهمة  " عائد إلى حيفا " و التي كتبها عام 1970 التي نشرها عام 1970 ، إذ مازالت إلى يومنا تحتفظ إلى يومنا هذا ليس بقيمتها الإبداعية فحسب ، بل وفي دلالاتها التاريخية والإنسانية على جريمة ، فهي بهذا المعنى الأخير مازالت تقض مضاجع عدوه الصهيوني وبخاصة بعدما ثمت تُرجمت إلى العبرية وتم تمثيلها قبل ثلاث سنوات  بهذه اللغة في عقر تل أبيب ما أدى إلى إثارة احتجاجات صهيونية صاخبة يومية ضدها خارج المسرح ، وكانت قد مُثلت بالانجليزية على مسرح مقهى السلام في نيويورك عام  2011 وأثارت أيضاً موجة غضب لدى اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الذي مارس شتى أشكال ضغوطه ونفوذه لإيقافها فاضطر المقهى لإيقافها . وأنت لو قرأت دراسته في الأدب الصهيوني لشعرت من خلال افكاره واسلوبه أنك أمام عمل ليس مُبدعاً فحسب بل مفكراً واعداً.   

بطبيعة الحال لا أحد يصادر حق المثقف أو الأديب المُبدع العربي في الانتماء إلى أي حزب وطني أو يساري مناضل يختاره ، أياً كان خطه السياسي أو تياره الايديولوجي ، ولا يتعارض هذا الانتماء - في تقديرنا - مع ممارسة دوره الإبداعي الذي نبغ فيه في أي جنس من أجناس الأدب والكتابة، شريطة أن يكون حزبه متفهماً ومحتضناً لموهبته مانحاً إيّاه قدراً معقولاً من التفرغ لها وتوظيفه لها في إطار خلّاق من التوفيق بين التزاماته الحزبية النضالية وبين تفرغه لأعماله الإبداعية بما يخدم حزبه وقضية شعبه في آن واحد،  ودون ارهاقه بمهمات حزبية متشعبة فوق طاقته ، ودون التدخل التعسفي أيضاً في أعماله أو توجيهها بمنظور سياسي تنظيمي حزبي ضيق الأفق على نحو ما تابعناه في قراءاتنا للأعمال المنتمية  للحقبة الستالينية والتي امتدت تقاليدها ومواريثها الثقافية والأدبية إلى ما بعد اُفولها حتى انهيار الاتحاد السوفييتي مطلع العقد الأخير من القرن الماضي . وأتذكر بهذه المناسبة حينما تعرفت ، بمعية أحد الاصدقاء اثناء زيارة سياحية لنا لحلب قبل نحو 12 عاماً ، على الشاعر والناقد والمناضل الشيوعي العراقي الفقيد الفذ مهدي محمد علي رئيس قسم " أدب وفن " في مجلة " الثقافة الجديدة " أن  أثرتُ معه هذه الإشكالية في اُمسية من اُمسياتنا  الجميلة التي قضيناها خلال زيارتنا لهذه المدينة الجميلة فقال لي حرفياً تقريباً : " إن الشاعر او المُبدع الملتزم هو الذي يستطيع بسلطته الروحية الادبية النضالية أن يقنع حزبه باستقلاله النسبي في أعماله الأدبية بعيداً عن سطوة الحزب المباشرة ، لأن ما يقوم به هو خلق إبداعي ونضالي في آن واحد ، وليس مجرد تحرير مناشير حزبية تُكتب في دقائق أو مقالات سياسية "   .

تنزیل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل