/
/
/

في هذا العام نستقبل الذكرى السبعين لوثبة كانون المجيدة.
ففي 1947 دارت مداولات سرّية بين الحكومتين البريطانية والعراقية للتوصل الى اتفاقية جديدة تحل محل معاهدة عام 1930 الاسترقاقية وتكون اكثر جوراً منها .
وما بدأ في السرّ ظهر لاحقاً الى العلن . وأخذت تدور المداولات في ميناء بورتسموث البريطاني من اجل التوقيع على المعاهدة الجديدة بالأحرف الاولى. وقد ترأس الجانب العراقي في تلك المباحثات رئيس الوزراء صالح جبر.
معاهدة عام 1930 وكذلك بنود معاهدة بورتسموث التي لم تر النور كانت تعطي الحق للقوات البريطانية بالتواجد في الشعيبة وبغداد والحبانية، كما تعطيها الحق في النزول على الارض العراقية والتوجه الى حيث تريد في حالة خوضها حرباً مع اية دولة كانت. وهذا ما لم يكن يرضي الشعب العراقي الذي كان يريد لوطنه التحرر من السيطرة الاجنبية ويتمتع بالاستقلال الناجز والسيادة الوطنية الكاملة.
وهكذا نرى أن البون كان شاسعاً بين حكام بغداد والشعب العراقي. هم في واد والشعب العراقي في واد آخر.
ولم ينحصر النزاع بين السلطة والشعب في هذه النقطة بالذات، اما الشعب فقد كان يعاني من فقدان الديمقراطية في البلد وسياسة تكميم الافواه.
(
علم ودستور ومجلس أمة كل عن المعنى الصحيح محرف )
الشعب كان يعاني من الفقر والتخلف والجهل والمرض في حين يشاهد بأم عينيه كيف تسرق ثرواته من قبل شركات النفط الاحتكارية الاجنبية.
لا صناعة، لا زراعة متطورة، ولا تجارة متكافئة.
كان السبب للصدام بين الشعب والنظام متوفراً، ولم يكن يعوز ذلك الصدام ليتفجر غير توفر الذريعة. وجاءت مفاوضات المعاهدة الجديدة (معاهدة بورتسموث) لتشكل الذريعة المطلوبة.
تظاهر طلاب دار المعلمين في بغداد فجابهتهم الأجهزة القمعية للنظام بإطلاق الرصاص عليهم دون أي احترام لحرمة تلك المؤسسة العلمية، واستشهد عضو الحزب الشيوعي العراقي الطالب شمران علوان وهو من اهالي قرية السريع جنوب مدينة الشامية.
في اليوم الثاني تجمع الطلبة في باحة كلية الطلب المجاورة للمستشفى المركزي من اجل تشييع جنازة الشهيد شمران، واذا بالشرطة تقتحم حرم الكلية فتطلق عليهم النار ويستشهد ثاني شهداء الوثبة الطالب قيس الآلوسي .
لم يرض ذلك التصرف من جانب الاجهزة القمعية عمادة الكلية فأعلن العميد الدكتور هاشم الوتري تعليق الدوام في الكلية تضامناً مع الطلبة واحتجاجاً على سلوك الشرطة، وكان ذلك الموقف من جانب الشرطة مثار غضب جماهير بغداد التي انطلقت في تظاهرات احتجاجية ضد سلوك النظام، ورفعت شعار سقوط حكومة صالح جبر ومعاهدة بورتسموث، ومحاسبة المسؤولين عن اطلاق الرصاص على الشعب وفي المقدمة نوري السعيد وصالح جبر. وسرعان ما امتدت التظاهرات الى مختلف المدن العراقية والتي كان بعضها، كمدينة الديوانية مثلاً، لم يكتف بالتظاهر المحلي بل يرسل الوفود الى بغداد من اجل الاشتراك في تظاهراتها التي كان يقودها كوادر من الحزب الشيوعي العراقي والتي كان يشترك فيها متظاهرون من كافة فئات الشعب : عمال ، طلاب، كسبة، حرفيون، مثقفون، رجال، نساء. وكان للشعراء دورهم فيها. ففي بغداد كان الشاعر الطالب بدر شاكر السياب – عضو الحزب الشيوعي العراقي حينها – مشاركاً نشطا فيها يلقي اشعاره على الجمهور محرضا مشجعاً ومحفزاً له، وكذلك فعل الشهيد حسن عوينه في مدينه النجف. لقد كان الشاعر بدر شاكر السياب شاعر الوثبة في بغداد، اما الشهيد حسن عوينه فقد كان شاعرها في مدينة النجف. ولايجاد مخرج للنظام من ذلك المأزق، أخذ الوصي على العرش يعقد الاجتماع بعد الاجتماع سواء في القصر الملكي ام في البلاط حيث يحضرها اركان النظام وزعماء الاحزاب السياسية المجازة.
موضوع تظاهرات الوثبة وتلك الاجتماعات تحدث عنها السيد عبد الرزاق الهلالي في مؤلفه "حديث الذكريات" فهو كان حينها موظفاً في التشريفات الملكية وكتب بنفسه محاضر تلك الاجتماعات. ومن بين ما ورد فيها ما تحدث به كل من الراحلين كامل الجادرجي ومحمد مهدي كبة من التأكيد على ان تظاهرات الشعب في اول ايام الوثبة كانت بقيادة اعضاء من الحزب الشيوعي العراقي، وان المسؤول الاول عن تلك الحالة هو النظام الذي حجب عن الشعب الحريات الديمقراطية، واستخدم العنف المفرط تجاه المتظاهرين وسياسة السجون تجاه الشعب .
بلغت التظاهرات ذروتها في معركة الجسر في السابع والعشرين من كانون الثاني 1948 والمجزرة التي ارتكبتها الشرطة ذلك اليوم والتي استشهدت فيها الشهيدة بهيجة وجرح فيها الطالب جعفر الجواهري شقيق شاعر العرب الاكبر الفقيد محمد مهدي الجواهري جرحاً بليغاً ادى الى استشهاده لاحقاً. يومها كان طالباً يدرس الحقوق في دمشق قدم الى بغداد لتمضية فترة العطلة المدرسية الربيعية.
مساء وخشية من الوصي على النظام، طلب من رئيس الاركان نزول الجيش الى الشارع، وكان آنذاك السيد صالح صائب الجبوري الذي نصح الوصي بالابتعاد عن هذا الحل والتفاهم مع الشعب للوصول الى حل هادئ للمشكلة.
وبما أن الشعب لم يثق بما ورد في بيان البلاط الملكي من ان الوصي لن يوقع على اية اتفاقية لا يرضى بها الشعب وقد استمر في تظاهراته، اضطر الى استدعاء رئيس الوزراء والطلب منه تقديم استقالته، واستقال فعلاً وغادر العاصمة الى جهة مجهولة هو ونوري السعيد. وكلف السيد محمد الصدر بتشكيل حكومة برئاسته، وقد شكلت الحكومة فعلاً واستمرت حتى نهاية العام 1948 حيث اشرفت على اجراء انتخابات برلمانية جديدة واستقالت لتفسح المجال لتشكيل حكومة جديدة.
الشهيد جعفر الجواهري فارق الحياة بعد بضعة ايام على اصابته فشيع تشييعاً مهيباً في شارع الرشيد، واقيم له مجلس الفاتحة في جامع الحيدرخانة حيث رثاه الشاعر الجواهري بقصيدته المعروفة ( اخي جعفراً) والتي يخاطبه فيها بالقول:
أتَعْلَمُ أمْ أنتَ لا تَعْلَمُ
بأنَّ جِراحَ الضحايا فمُ
فَمٌّ ليس كالمَدعي قولةً
وليس كآخَرَ يَسترحِم
تَقَحَّمْ ، لُعِنْتَ ، أزيزَ الرَّصاص
وَجرِّبْ من الحظّ ما يُقسَم
وخُضْها كما خاضَها الأسبقون
وَثنِّ بما افتتحَ الأقدم
يقولون مَن هم أولاءِ الرَّعاعُ
فأفهِمْهُمُ بدَمٍ مَنْ هُم
وأفهِمْهُمُ بدمٍ أنَّهمْ
عَبيدُكَ إنْ تَدْعُهمْ يَخدُموا
وأنَّك أشرفُ من خيرِهمْ
وكعبُك مِن خدهِ أكرم
وفي الرابع عشر من نيسان حضر الشاعر الجواهري المؤتمر الطلابي الذي عقد في ساحة السباع لتأسيس اتحاد الطلبة فألقى قصيدته المعروفة التي مجد فيها الشهادة والشهداء.
يومَ الشَهيد : تحيةٌ وسلامُ
بك والنضالِ تؤرَّخُ الأعوام
يومَ الشهيد ! طريقُ كل مناضلٍ
وَعرٌ ، فلا نُصُبٌ ولا اعلام
في كل مُنعَطَفٍ تَلوحُ بلية
وبكُلِّ مُفتَرقٍ يدِبُّ حِمام
وحياضُ مَوت تلتقى جَنَباتُها
وعلى الحياضِ من الوُقود زِحام
ويختمها بالقول :
"
اذ ذاك يًصبحُ بعد طُول مَتاهةٍ
بيد الشُعوب مقادةٌ وزِمام"
الراحل خالد بكداش وصف الوثبة في حينها بأنها معجزة.
الشعب العراقي هب في وثبته الخالدة وفرض ارادته على الحكام الرجعيين واضطرهم للخضوع لإرادته بإستقالة حكومة صالح جبر واسقاط معاهدة بورتسموث الاسترقاقية. وقد كانت تجربة مفيدة للنضال اللاحق. فقد اثبت الشعب فيها انه اقوى منهم جميعاً وانه الباقي وهم الراحلون.
اثبت الشعب فيها اهمية التحالف والتعاون بين القوى الوطنية والديمقراطية وان العنف لا يخيف الشعب بل هو سلوك العاجزين الذي قال الجواهري عنه في احدى قصائده:
تبا لدولة عاجزين توهموا
ان الحكومة بالسياط تدام
لقد كانت تمريناً لمنازلات الشعب اللاحقة مع النظام الاستبدادي الرجعي وجزءاً من التراكم النضالي الذي يؤدي في درجة معينة منه الى التغيير النوعي المطلوب.
كانت الوثبة تمرينا ودرسا تعلم منه مناضلو الشعب كيف ينازلون النظام في انتفاضة تشرين 1952 وانتفاضة تشرين 1956.
لقد كانت تحالفات الوثبة البداية للتحالفات اللاحقة ومنها تحالف قوى الشعب الوطنية في جبهة الاتحاد الوطني عام 1957 واندماج منظمات الضباط الاحرار في منظمة واحدة لها قيادة واحدة.
لقد كانت الوثبة التمهيد لثورة الرابع عشر من تموز المجيدة التي اطاحت خلال ساعات قلائل بذلك النظام الهمجي الذي سخر كل امكانياته لخدمة الاسياد القابعين وراء الحدود.
مجداً لوثبة الشعب العراقي، وثبة كانون الثاني 1948 الخالدة .
مجداً لجميع الشهيدات والشهداء

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل