/
/

أود أن أوضح في البدء ان عنوان الموضوع لايعني بغداد بالذات ، الموضوع يشمل كل العراق واخترت بغداد لكونها المركز الحضاري الأكثر في العراق حيث إنها مركز الجامعات والمعاهد والمكتبات ودور الثقافة والمسارح والسينما والمتحف حتى اول بث تلفزيوني كان في بغداد.... حالما يسمع احدنا لفظة البداوة حتى تقفز في مخيلتنا صورة البدوي وهو يجوب الصحراء بناقته ويلبس الملابس المحاكة من وبر الجمال وهو المتنقل دائما وراء العشب والماء ويعيش حياة قاسية . ليس بالضرورة ان يكون مفهوم البداوة هكذا مرتبطا بأولئك الاقوام الذين يعيشون على رعي الابل والاغنام ويسكنون في خيام الشعر ويتنقلون بالبادية من مكان لآخر طلبا للماء والكلأ . بينما يتراءى امامنا عندما نسمع كلمة حضارة كل ما هو حضاري وثقافي ومتطور وجميل وانيق عمارات وطرق وشوارع ومؤسسات ثقافية ترفع اخلاقيات وقيم جيل بعد جيل حيث ممتدة من بداية ظهور الانسان العاقل حتى يومنا هذا فالتطور يسير دائما الى الامام . هذه التصورات البسيطة عند الناس لكن اذا نظرنا بعمق لهذين المصطلحين لوجدناهما مختلفين كثيرا . فالبداوة هي عبارة عن نظام اقتصادي اجتماعي وهي عكس او بالضد من الحضارة او الحضر التي جاء مصطلحها من الناس الساكنين في المدن . والتناقض بين هذين النظامين الاقتصاديين الاجتماعيين هو احدهما منتج والاخر غير منتج معتمدا على طرق أخرى لتلبية احتياجاته المعيشية . علماء الاجتماع والانثرولوجيا وعلى راسهم ابن خلدون وعلي الوردي واخرون تقريبا متفقون على فضائل البداوة وهي (الشجاعة ، الكرم ، الولاء للقبيلة ، والثأر) وهناك صفة (التغالب) التي ركز عليها الوردي فهذه الصفة موجودة وواضحة في شخصية كل رجل بدوي حيث يريد دائما أن يكون هو الغالب فلا تنازل ولا تفهم لحل أي قضية لاتوجد عندهم حلول وسط تضمن مصالح الاخرين ، وأيضا شخص الوردي ظاهرة (المد والجزر)حيث يرى ان الفكر البدوي يستفحل ويتقلص أحيانا اخرى يتبع وضع الدولة قوتها وضعفها وفرض مركزيتها . لان الدولة هي أساس الحضارة فاذا قويت يكون لها القدرة على قمع النزاعات الداخلية (العشائرية ) ولها الامكانية لضرب ايدي المتجاوزين على القانون وقطع الطريق امامهم لفرض قوانينهم على المجتمع ، هنا سيزدهر الإنتاج الزراعي والصناعي والتجاري وتعمر المدن وينهمك الناس في حرفهم المختلفة ولا يخشون شيئا ، وحدث هذا في تاريخ العراق بوجود الحكومات القوية نسبيا فنرى تقلص القيم البدوية تدريجيا وتظهر القيم الحضارية المبنية على احترام قوانين الدولة . لقد اجمع علماء الاثار على ان العراق كان مهد اقدم الحضارات في العالم وظلت الحضارات تراود العراق حينا بعد حين ونجد العراق من الناحية الأخرى واقفا على ينبوع من منابع البداوة اذ هو منذ بداياته واقعا في متناقضين من القيم الاجتماعية ، حيث سيطر المد البدوي لمدة حوالي ست قرون ، بعد سقوط الدولة العباسية (1258م) انهارت فيها سلطة الدولة واختل نظام الامن وبعد ذلك جاء هولاكو التتري فبرزت نزعة الغزو والفرهود اقوى من نزعة العمل والإنتاج . اذا نظرنا وبواقعية الى المجتمع سنرى اكثر من ثلاثة ارباع العراقيين يخضعون للتنظيم العشائري وتسيطر عليهم قيم العصبية القبلية والغزو والثأر وغسل العار....اما الربع الاخر من السكان فهم يختلفون بأسلوب حياتهم لكن يبقى شيء بداخلهم من التعصب البدوي . ظهرت القيم البدوية وبقوة بعد ان دخل صدام بحروب وبدأت السلطة تفقد السيطرة على كثير من مناطق العراق وفقدت هيبتها على المجتمع اذ نشطت العصابات والجماعات الإرهابية وقطاع الطرق في عموم العراق من شماله الى اقصى جنوبه ففي كردستان العراق لم تبق أية مؤسسة حكومية الا وسرقت واستولى اللصوص على اكثر الأراضي الحكومية وفككت المصانع وبيعت الى الدول المجاورة ...وحال المناطق العربية التي فقدت الدولة سيطرتها عليها لم تكن بأفضل من ذلك حيث سرقت اسرة المرضى في المستشفيات بعد انزال المريض منها بالأرض . كل ذلك لم يشكل إلا جزءا يسيرا من السلوك المتخلف الذي مورس بعد سقوط الطاغية عن طريق الاحتلال الذي درس الواقع الاجتماعي والنفسي للشعب حيث حل كل المؤسسات الأمنية للدولة وابقى العراق بدون سلطة وشجع الشعب على سرقة وتدمير ممتلكاته العامة وبالفعل لم يبق بنك او متحف او أي شيء عائد للدولة او لرجالها السابقين إلا وسرق ، وبانحلال أجهزة الدولة برز دور العشائر لتكون بديلة لهذه المؤسسات وخلقت مليشياتها واستندت الى أحزاب ولبست الغطاء الديني الذي شجعه المحتل وبدأت عملية تجهيل لا حدود لها وذلك من خلال خلق نظام طائفي مقيت وتركزت رؤوس الأموال عند رؤساء العشائر او رؤساء المليشيات وشكلت محاكمها الخاصة التي تنظر بكل النزاعات وعززوا انفسهم باقتنائهم مختلف الأسلحة الفتاكة وبالتالي أصبحت قوتهم العسكرية توازي قوة الحكومة او اقوى في كثير من المناطق ونتيجة لذلك استغلوا ذلك للسيطرة على ابار نفط او انابيب نفط ويتحكمون بتصديره وكذلك السيطرة على المعابر الحدودية واستغلال عائداتها لمصلحتهم وحتى العمل على ادخال كل ما هو ممنوع ومضر للشعب لا يهمهم . هذا وضع الشارع العراقي ومن هؤلاء الأقوياء المتخلفين تجري انتخابات لتشكيل البرلمان والحكومة فبالتأكيد ستكون انعكاسا للواقع الموضوعي فتراهم يزورون الشهادات لأجل الحصول على مقعد برلماني حتى يضمن لهم الاستمرار بسلطتهم واستغلال موارد الدولة يناقشون ويعملون لإصدار قوانين تعزز نفوذهم وتخلف الشعب اكثر فاكثر ، مثلا اصدار قانون يسمح زواج القاصرات في بلد يعاني من مشاكل الفقر والامراض والإرهاب . وكل هذه الممارسات شجعت على ظهور الإرهاب الداعشي الذي توفرت له الظروف الموضوعية والذاتية لكسب العديد من المواطنين بسبب اقصائهم عن الحياة السياسية بحجة ولائهم للنظام السابق مع العلم ان العشائر والأحزاب الحاكمة كسبت قسما كبيرا منهم تحت غطاء الطائفية والعشائرية بالرغم من ولائهم للنظام السابق . الأستاذ الوردي اكد بان مشكلة العراق تكمن عند إعادة البداوة هيمنتها على المجتمع العراقي يحتاج الى زمن طويل لانحسارها والتكيف للحضارة وقيمها المدنية وتحتاج الى جهود كبيرة من قبل الدولة المركزية المتخلية عن الفكر البدوي والتخلص من ذلك لم يكن في دفعة واحدة والفترة الانتقالية صعبة جدا وبها كثير من المشاكل والمعوقات . وخصوصا كما ذكرت سابقا العراق يعتبر من البلدان الأكثر معاناة للصراع بين البداوة والحضارة وبالتأكيد هذا الصراع يؤدي الى خلق ازدواجية عند الشخص العراقي . الخلاص مما يعانيه العراق يحتاج الى عقود من الزمن الدؤوب والمخلص وبالتأكيد ستجد كثيرا من المعوقات التي يختلقها المستفيدون من ضعف هيمنة الدولة ومستغلون خيرات البلد لصالحهم لكن البدايات الصحيحة يجب ان تكون بتحرير العقل العراقي من خلال أنظمة تعليمية علمانية ومتنورة وابعاد المؤسسات الدينية عن التعليم يعني ذلك التركيز على التعليم وبناء مدارس حديثة وتهيئة كادر تعليمي قادر على قيادة الجيل الجديد القادر لقيادة بلد متطور ومتحضر لان الشعب يحتاج حركة تحرير العقل وهذا يحتاج تخصيص ميزانية كبيرة للتعليم على حساب المؤسسات الدينية والأمور غير ضرورية والشئ الاخر المهم جدا هو عملية تصنيع البلد شيئا فشيئا لتخليص وتطوير الزراعة بشكل علمي وهذه الخطوات سوف تؤدي الى تحرير العقل والابتعاد عن الخرافات وابتعاد الاقتصاد العراقي بالاعتماد على الريع الذي هو يتحمل الجزء الكبير لما يعانيه الشعب العراقي حيث لم يتطرق علماء الاجتماع عن دور الاقتصاد الريعي في تعزيز العقلية والأفكار البدوية حيث سهولة الحصول على الأموال بدون جهد من هذه الثروات وتعزيز الدور العشائري لان كل عشيرة تحتاج ذلك لتعزيز دورها علماء الاجتماع الكبار لم يعيشوا بفترة الوفرة بالريع .

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل