/
/

توجه الحزب الشيوعي العراقي منذ تأسيسه في بداية العقد الرابع من القرن الماضي إلى شريحة الفلاحين، ولعب دورا مهما في قيادة وتنظيم الانتفاضات التي قام بها الفلاحون ضد جور الإقطاع وربيبته القوى الرجعية وسلطتها العميلة للاستعمار، الفلاح حسين الشلبة أول شيوعي عرفته في حياتي في القرية التي ولدت فيها (قرية ابو سفن) كان ذلك قبل ثورة 14 تموز عام 1958بعام واحد، وكان عمري آنذاك ست سنوات، كنا نتجمع حوله نحن الصغار والشباب الذين يكبرونا سناَ، وكان يقول بلدكم فيه خيرات كثيرة لكن الاستعمار جاء بحفنة من الخونة وسلطهم على رقابنا اعطاهم الأرض بدون وجه حق، وجعل آباءكم، وانتم من بعدهم تعملون ويأخذ الإقطاعي ثمرات عملكم، خلاصكم يا ابنائي وخلاص بلدكم يتحقق بانضمامكم في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، لأنه المدافع الحقيقي عن مصالح الفلاحين.. رحمك الله ياعم، ولا أنسى وصيتك في أخر لحظات حياتك لي ولولديك الرفيقين الفقيدين كاظم وعباس، والتي قلت فيها الحزب الشيوعي أمانة في رقابكم، لقد ظل حزبنا يا رفيق كنخلة باسقة في سماء العراق يفتخر بشهدائه الذين تعاهدوا على إن الشيوعية أقوى من الموت وأعلى من أعواد المشانق، ومشوا إلى خلودهم عزّلاً إلاّ من إرادة فكرهم، من أجل وطن حر وشعب سعيد.
ففي معارك الخبز والحرية والكرامة والاستقلال سار المئات من الفلاحين الأبطال على ذات الطريق، وحملوا ذات الراية ليطوفوا بها أرض النخيل وحقول الحنطة والشعير وأهوار الناصرية وسوق الشيوخ والعمارة، وهم يمجدون بنضال وألق حزبهم وكلماته وتعاليمه، وفي هذه الأيام التي يحل بها علينا يوم الشهيد الشيوعي لابد من ذكر بعض الفلاحين الذين كتبوا بدمائهم مجد الشيوعيين العراقيين ومنهم:
الفلاح الشيوعي المخضرم صاحب ملاّ خصاف، من محافظة ميسان (العمارة) من ريف الكحلاء منطقة البو محمد، دخل السجن قبل ثورة 14 تموز 1958 وانصرف بعد الثورة للعمل بين إخوانه الفلاحين في تكوين جمعياتهم الفلاحية، وكان شوكة في عيون الإقطاعيين والقوى المناهضة للثورة التي كانت تتحرك في الداخل، ومن الخارج وخصوصا في إيران الشاه وتركيا وغيرهما، تحشد قواتها لسحق الثورة الوليدة كان الشهيد صاحب يطوف ريف العمارة يجمع آلاف التواقيع ضد تحركات هذه القوى، وأثناء هذه الحملة ترصد له قاتل مجرم وفتح عليه النار فاختلطت دماؤه وحبر تواقيع الفلاحين وفرّ المجرم الى أسياده.
الشهيد والقائد الشيوعي الفلاحي كاظم الجاسم ما زالت ذكراه تجوب قرى الفرات الأوسط، لقد كان فلاحا فقيرا تلقى أولى دروس الشيوعية وتعلم مبادئها في قريته التي زارها الكثير من قادة الحزب في أواسط الأربعينات، وبرز اسمه في بداية الخمسينات في وقت كان الصراع حادا بين فقراء الفلاحين من جهة وبين الإقطاع وأعوانهم من جهة أخرى، بدأ الشهيد يجوب قرى الفرات الأوسط لتهيئة انتفاضة فلاحية ضد جور الإقطاع وظلمه، وفي تشكيل جمعيات فلاحية أشرف الحزب على تشكيلها، واستطاع بنشاطه أن يكسب احترام وهيبة كبيرة في صفوف الفلاحين، وفي القرى التي يشقها نهر الفرات المعطاء، وكان الفلاحون يرددون في الأمسيات قصصا أسطورية عن بطولة الشهيد كاظم الجاسم وبسالته في الكفاح ضد أعدائهم وأعداء شعبهم، وبعد انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963 كان الشهيد ورفاقه يعملون بدأب على توفير البيوت الحزبية، واعادة التنظيمات الحزبية، وقد غادر الوطن خلال الفترة 1968 - 1969 الى موسكو للدراسة الحزبية، وحين عاد اعتُقل من قبل أجهزة الأمن البعثية وأرسل الى قصر النهاية الأسود أيام المجرم (ناظم كزار)، واستشهد تحت التعذيب الوحشي بعد صمود بطولي بوجه جلاديه الذين أرادو بقتله زرع الخوف والألم والضعف، في نفوس الفلاحين الذين عرفوه لكن اسم الشهيد تحول إلى أسطورة حتى بعد استشهاده، تستذكره قرى الفرات الأوسط وتشعل الغضب الثوري في قلوب فلاحيها.
الشيخ الشيوعي حسين مهدي الساعدي رجل دين من وسط فلاحي انضم الى صفوف الحزب الشيوعي العراقي، واحتفظ بلقب (الشيخ) لأنه رجل دين، وحافظ في الوقت نفسه على ابرز صفات الشيوعي، الإيمان العميق بمبادئه، الهدوء والرزانة، والابتسامة الطافحة، والقرب من الكادحين الذين كان هو أحدهم، فعرف نصيبه من الاعتقال مع رفاقه من الشيوعيين عام 1946 وكان مثلا للثوري الذي يقرن العمل بالقول، واعتقل الشيخ حسين عدّة مرات، آخرها اثر انتفاضة تشرين المجيدة، وكان آنذاك عضو محلية العمارة، حُكم عليه بالسجن 3 سنوات، وكان واحدا من السجناء الشيوعيين الذين شاهدوا مجزرة سجن بغداد عام 1953، وحين نُقل رفاقه الى سجن بعقوبة، شارك في الإضراب الشهير عن الطعام الذي أعلنه الشيوعيون آنذاك، رغم قرار اللجنة المسؤولة من السجن بعدم مشاركته بالإضراب، بسبب وضعه الصحي السيئ، لكنه قال لرفاقه أعيدوا النظر بالقرار، أنا مع رفاقي حتى الموت، وفعلا استشهد الرفيق مضربا عن الطعام في أوائل آب 1953.
الشهيد الذي ترك طبقته الإقطاعية ليعتنق الشيوعية، وهو الشهيد تركي الحاج صلاّل من محافظة واسط قضاء النعمانية، ينتمي الى عائلة إقطاعية انسلخ منها وانظم إلى حزب الكادحين ليجسد صورة الفلاح الملتزم بثوابت الشيوعية بالدفاع عن حقوق العمال والفلاحين، فكان له دور مرموق في انتفاضة الحي الباسلة في عام 1956 وفي مساعدة الفلاحين المعتقلين بإيصال ما تحتاجه عوائلهم من مستلزمات المعيشة، وبعد ثورة تموز وقبل صدور قانون تأسيس الجمعيات الفلاحية، كان الشهيد تركي قد أسس أول جمعية فلاحية في ريف النعمانية، رغم انه من عائلة إقطاعية معروفة (وكان أبوه من المساهمين في ثورة العشرين)، وقام الشهيد بدوره في تحريض الفلاحين ضد الإقطاع بعد صدور قانون الإصلاح الزراعي وطريقة تطبيقه، وقد أثار نشاط الشهيد حقد القوى المتضررة من الثورة وأخذت تدبر المحاولات لاغتياله، حتى نجحت في رشوة أحد العملاء بمبالغ من المال فقام باغتياله وهو نائم في إحدى القرى، حيث كان يقوم بمهمة كُلف بها من قبل الحزب وحين علم سكان المدينة باغتياله، خرج الآلاف من الفلاحين لتشيعه وهم يهتفون ضد القتلة
المجد والخلود لشهداء شريحة الفلاحين
المجد والخلود لشهداء الحركة الوطنية العراقية

تنزیل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل