/
/

الآن بعد أن هدأت موجة التحالفات السياسيّة للانتخابات القادمة، وجدت نفسي أفكّر في تحالف "سائرون"، وأقلّب الشكوك فيه، وبخاصة حول العنصر الأبرز، أعني به تحالف الصدريّين مع المدنيّين. وأخذتني بعيداً أمواج الأسئلة الملحّة التي أثيرت، ولا سيّما من طرف "المدنيين"، والتخوّفات والجدل لا بشأن نجاح هذا التحالف أو فشله حسب، وإنما بجدوى إقامته من الأساس.

وفي ذروة ذلك وقفت عند التخوّف الأكبر، مقلّباً التساؤل الذي تكرر ظهوره على أكثر من لسان: "ماذا لو كان موقف السيد مقتدى الصدر تمويهاً والأمر كلّه لعبة التفاف من الإسلام السياسيّ لكي يعود إلى الواجهة بثوب جديد؟". قلت فلنفكّك الأمر مبتدئين بأسوأ التوقعات، وافترضت من حيث المبدأ أنّ هذا التحالف ينطوي فعلاً من جهة الصدريين على خداع منظّم يقوده الصدر بنفسه، ومن هنا بدأت خيوط اللعبة المفترضة تنتظم في ذهني بهذه الطريقة:

فكّر مقتدى الصدر، (أو طُلب منه) أن يبادر الى امتصاص التظاهرات التي اندلعت في العراق في نهاية تموز ٢٠١٥، انقاذاً لمكتسبات تيّاره (أو الإسلام السياسيّ بصورة عامّة) وحمايةً التفافيّةً للفاسدين، وذلك عبر النزول إلى الشارع في تظاهرات مماثلة "تدّعي" مكافحة الفساد وتوهم الناس أنّ الإسلام السياسيّ لا يعدم وجود ثائرين فيه على الفساد. ثمّ بعد أن لم يكن لمحاولاته تأثير في "المسار المدنيّ" الذي أخذت تكتسبه التظاهرات، قرر الصدر (أو طُلب منه) أن يدخل مع المدنيين تظاهرات مشتركة للمرة الأولى بعد حوالي ثمانية أشهر من اندلاع تظاهرات ٢٠١٥، لكي يكسب ودّهم ويُدخلهم تدريجيّاً في عباءته، وليتحكّم بهم لاحقاً باستخدام الأكثريّة الجماهيريّة التي في يده، ثم إيهامهم بالدخول في تحالفات انتخابيّة هي في الحقيقة عبارة عن ماكنة إنتاج وجوه إسلاميّة جديدة برضا تام من منسقي التظاهرات المدنيين وجمهورهم.. ويكون الإسلام السياسيّ بذلك قد تخلّص من أي خطر ممكن لتسلّق المدنيين السلطة (أو بعضها) في الدورة القادمة.

هذا هو أسوأ سيناريو ممكن يحذّر منه المحذّرون. صح؟ وطبعاً فيه تفصيلات أخرى وتنويعات تصبّ جميعاً بتشتيت المشروع المدنيّ، وتشويه صورته، وتبديد صوت الاحتجاج على الظلم والفساد والمحاصصة.

لكنّ هذا السيناريو لا يخيف أقساماً من المدنيين حسب، وإنما هو أيضاً تلويحة اعتاد الإيماء بها سياسيّون من أحزاب إسلاميّة أخرى، لا لشيء إلا لزرع الإحباط في نفوس المدنيّين أو السخرية منهم. قال لي أحدهم ذات يوم: "تذكروا: سيفعلها مقتدى بكم ويترككم على باب البرلمان بعد الانتخابات"!

الآن دعونا نناقش خطة مقتدى الصدر الافتراضية، ولنتساءل: ماذا سيجني من هذا كلّه؟

هنالك ثلاث فوائد متوقعة:

١- نيل فرصة نادرة لإظهار وجوهٍ جديدة بدلاً من وجوه التيّار الصدريّ الحاليّة، المتراكمة منذ سنوات، بما عُرف عن كثير منها الفساد والاستئثار بالسلطة. مقتدى سيحصل على هذه الفرصة عند ظهوره بزيّ معاقِب الفاسدين من تياره، والباحث عن الشرفاء، والداعم للتظاهرات والاحتجاجات بخلاف القادة السياسيّين الآخرين.

٢- توسيع الرقعة الشعبية للتيار الصدريّ بعد مرور سنوات من انحسارها بعد ان انتقلت حماسة الجمهور الصدريّ الى أحزاب وفصائل سياسية أخرى تبرّماً من فساد قيادات كبرى في التيار وابتعادهم عن قواعدهم الشعبيّة.

٣- طمأنة المرجعية في النجف أنّ السلطة ستبقى بيد الإسلاميين، بعد أن جرى امتصاص تظاهرات المدنيين وترويض الاحتجاجات وابتلاع "المشروع المدنيّ" وإعادة الاعتبار الى الإسلام السياسيّ.

وبعد؟

قلت في نفسي وأنا أفكر في هذه الفوائد التي سيجنيها الصدر من "خداعه" المدنيّين: طيّب، وماذا سيفعل بعدها؟ وقلت إنّ الأمر بجملته يمكن أن يكون أحد احتمالين أساسيّين:

١- الاحتمال الاوّل: أنّ مقتدى الصدر يريد السيطرة على السلطة (أو المشاركة الفعّالة فيها) مع صحة مشروعه الإصلاحيّ ضدّ الفساد. وهنا قلت في نفسي بوضوح شديد: إذا كانت سيطرة مقتدى الصدر تفضي في الأخير إلى مكافحة الفساد وإقامة دولة مؤسسات واسترجاع الأموال المنهوبة فلا خوف إذن من أيّ تحالف معه، بل لا ضير أبداً من أن يحكم التيار الصدري (بشكله المفترض الجديد) العراق وألّا يحصل المدنيون على شيء مهم من السلطة. قلت هذا وأنا أشدّد على أنه "من حيث المبدأ". لماذا؟ لأن الفاعل ليس مهماً بقدر النتيجة. فإذا نشأت دولة مؤسسات شفافة فقد حصلنا على جوهر المشروع المدنيّ حتى لو لم يُقَم بأيادي مدنيّين.

٢- الاحتمال الثاني: أن الصدر يريد عبر الاستئثار بالسلطة (أو المشاركة الفعّالة فيها) حماية الفاسدين بإقامة التفاف كبير على مطالب الشعب وإيهامه بتحقيقها القريب، وهو إيهام لن ينتهي إلا بانقضاض الأحزاب الحاليّة مرة أخرى على السلطة في الانتخابات القادمة ومعاودتهم ممارسة هواية الفساد المفضّلة لدى أكثرهم وبهذا يكون الصدر "رأس الحربة" في تحقيق هذا الالتفاف الخطير.

إذن، فالاحتمال الأوّل طبيعي ومتاح للجميع. فمن حق المرء أن يسعى الى الإصلاح في نفسه وبيئته وحزبه وبلده حتى لو كان مطلبه السلطة لتحقيق ذلك، وبهذا لا يمكن توصيف هذا الاحتمال أنه "خداع" بقدر كونه "تخطيطاً" سياسياً مقبولاً. لكنّ الاحتمال الثاني هو الشيء الخطير بالفعل، وهو ما يمكن فعلاً تسميته بـ"الخداع". وفي هذا الاحتمال تنصبّ الغالبية العظمى من الشكوك التي يحملها قسم من المدنيين المعترضين على تحالف زملائهم مع الصدر.

توقفت كثيراً عند تقليب الشكوك في ضوء الاحتمال الثاني، وعرضتُ في ذهني مسألة الكلفة الأخلاقيّة والسياسيّة التي ستقع على كاهل مقتدى الصدر لقاء قيامه بهذا الدور الخطير!

السؤال الآن: كم سيطول الوقت مع خداع كهذا قبل أن ينكشف؟ سنة؟ سنتان؟ أربع سنوات؟ طيب، ما الذي سيحدث بعدها لو انتفض الناس من جديد على الفساد الجديد القادم؟ لقد كانت مقبولية مقتدى الصدر وكاريزماه الثورية عنصر تفاعل أساسي للمسحوقين من التيار الصدري مع حركة التظاهرات الأخيرة، بعد سنوات من ضمور شعبية مقتدى نفسه في نفوسهم بسبب ما آل اليه التيار من قادة له غالبيتهم فاسدون. أما بعد أربع سنوات في أكثر تقدير، عندما ينكشف خداع مقتدى الصدر للناس ولجماهيره فهل ستبقى هذه المقبولية على حالها وتكون عنصر جذب لهم مرة أخرى؟

السؤال الثاني: إذا لم يكن مقتدى الصدر مهتماً بالجانب الأخلاقي، فبأي شيء مهتم هو إذن؟ بإعادة الاعتبار الى الإسلام السياسيّ؟ إنّ إعادة الاعتبار إليه عبر تدوير الفساد بوجوه جديدة هو أمر لا اعتبار فيه للإسلام السياسيّ وإنما هو عار بكل معنى الكلمة. أيتحمّل السيد مقتدى الصدر عاراً كهذا؟

السؤال الثالث: كم ستؤثر "خدعة" مقتدى الصدر على الإيمان بفكرة التغيّير السلمي عبر الانتخابات؟ حين يرى المواطن أنها أصبحت الوسيلة التي تعاد فيها عجلة الفساد أشدّ من ذي قبل؟ إلى أي مدى سيُسهم الإحباط من الانتخابات في تقويض الأمن القوميّ وجعل الناس يؤمنون شيئاً فشيئاً بالثورة العارمة المقتلعة من الجذور كلّ شيء يقف في طريقها؟ أليس في هذا خطر على السلطة نفسها التي يريد مقتدى الصدر الاستئثار بها عبر لعبته المفترضة؟

السؤال الرابع: إلى أيّ مدى استعدّ الصدر لتحمّل موقف الشخص العقائديّ الصدريّ البسيط منه بأنه ليس كفؤاً للمحمول الأخلاقيّ الذي أودعه فيه؟ وبأنه لم يخدع المدنيين فقط وإنما خدعهم هم أيضاً حين أقحمهم في تظاهرات ذات مطالب مشتركة مع مواطنين مثلهم (المدنيين) ليتخلّى عنهم بعدها مستأثراً بمكتسبات تياره فقط وبحماية الفاسدين؟ هل يتحمّل مقتدى الصدر آنذاك نظرة الصدريّ له على أنه "زعيم فئويّ يقوم بحركات تكتيكية للحفاظ على فساد قادة التيار" بدلاً من نظرته الآن له على أنه زعيم وطنيّ وروحيّ؟ وإذا افترضنا أنّ جمهور التيار الصدري كما يُشاع عنه جمهور هائم بكلّ قرارات مقتدى الصدر، يميناً كانت أو يساراً، وافترضنا من ثمّ أننا لا نعوّل في المستقبل على موقف هذا الجمهور من قائده إذا ثبت أنه أقحمه في لعبة تلاعب فيها بمشاعره وتسبب في إسالة دمائهم على الأرض في التظاهرات، وتعريض الدولة العراقية برمتها الى الخطر أكثر من مرة عبر اعتصامات المنطقة الخضراء واقتحام البرلمان. نقول إذا قررنا أن لا نعوّل على هذا الجمهور، فدعونا نفكّر بردّ فعل العراقيين عامةً والفرقاء السياسيّين خاصّة، أمِنَ الممكن أن يَستأمِنَ الصدرَ شريكٌ بَعْدُ على شراكةٍ؟ أو صديقٌ بَعْدُ على صداقة؟

لا أُنكر أنني كنت متخوّفاً أيضاً من مستقبل تحالف "سائرون" وبالذات تحالف المدنيين مع السيد مقتدى الصدر، ولكنّ تقليبي الأمر عقلياً بهذه الطريقة سهّل عليّ التعاطي مع هذا الخوف واقعياً والسيطرة عليه في هذه المرحلة في الأقلّ، ولا أدري ما إذا كان التقليب العقليّ كافياً لدرء خطرٍ ما، لا نعرفه في قابل الأيّام.

سيقول لي البعض وما موقف الصدر من ممثلي التيار الفاسدين حالياً في السلطات المختلفة؟ سيقولون لي إنّه لم يتخذ منهم موقفاً يُقنعنا بجدّيته في الإصلاح أكثر من مجرّد "تبرؤه الإعلاميّ منهم"، وسأقول لهم إن تركة هذا التيار ثقيلة إلى حدّ لا أظن الرجل قادراً على التخلص منها بين يومٍ وليلة، مع إنه قدّم مواقف كثيرة في السنتين الأخيرتين تعزز موقفه الإصلاحيّ، قبل أن يحرم قادة تيّاره الحاليين من الترشّح لمرحلة قادمة في فعلٍ لم يقدم عليه أحد من القادة السياسيّين. فلنصبر عليه وندعمه على ما نرى منه فذلك خير من أن نشكّك فيه على ما لا نرى.

وباختصار شديد أقول:

الصدر سار في طريق لا يمكنه التراجع عنه مطلقاً، لأنّ كلفة هذا التراجع -ان افترضنا وجود لعبة وخداع - باهظة جداً، أخلاقيّاً وسياسيّاً، لن تكلّفه مستقبله حسب، وإنما مستقبل التيار الصدريّ برمته، قادةً وجمهوراً.

ــــــــــــــــــــــــــــ

من صفحة الشاعر على "فيسبوك"

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل