/
/
/

من المعلوم أنَّ صحوةَ العالم على الضجيج الذي صاحب الخشية من التداعيات التي ترتبت على الكثير من مشكلات البيئة، بدأت ملامحها في الظهور منذ إطلالة أعوام العقد الثامن من القرن الماضي، حيث باتت خطورة تلك المشكلات جلية للقيادات الإدارية في مختلف أرجاء المعمورة، حين أدركت تهديدها لأشكال الحياة فوق كوكب الأرض، والتي من أهمها: تنامي مسببات تلويث بيئة الحياة، فضلًا عن الاستخدام الجائر للموارد الطبيعية الذي أفضى إلى استنزاف الكثير منها، الأمر الذي ألزم الباحثين والمهتمين في الشأن البيئي التنبه للتداعيات الخطيرة التي ترتبت على إهمال الإدارات المعنية بإعداد المناهج التنموية للجوانب البيئية طول العقود الماضية، بالإضافة إلى تأكيد موجبات البحث عن فلسفة تنموية جديدة بوسعها المعاونة في مواجهة ما ظهر من المشكلات التي أضرت ببيئة الحياة وساهمت في الإخلال بالتوازن البيئي؛ لأجل الحد من آثارها والتغلب عليها. 

ليس بالأمر المفاجئ أن تتصاعد الجهود الدولية في مجال المسارات الخاصة بتحقيق تنمية من شأنها أن تساهم في تحسين البيئة والحفاظ على عناصرها، حيث أثمرت تلك الجهود عن ظهور مفهوم جديد للتنمية أشير إليه باسم "التنمية المستدامة". ولعل ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو أن أول ظهور لهذا المفهوم جرى تداوله في مؤتمر "قمة الأرض" التاريخي الذي نظمته الأمم المتحدة من أجل البيئة والتقدم في عام 1992م بمدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، التي حمل هذا المؤتمر بعد ذلك اسمها، حيث أُصبح يشار إليه باسم مؤتمر "قمة ريو".  

المثير للاهتمام أنَّ مفهومَ التنمية المستدامة بدأ منذ ذلك التاريخ بالتبلور ليظهر مع تقادم الأيام بخصوصية ميزته عما عرف من الأنماط التقليدية للتنمية؛ إذ أطلت الأدبيات الاقتصادية والبيئية على العالم بنموذج تنموي جديد يقوم على التمسك بالعقلانية، فضلًا عن الحرص على إشاعة برامج ثقافية توعوية تتبني جملة سبل بوسعها المساهمة بشكل فاعل في ترشيد استغلال الموار الطبيعية لأهداف تتعلق بمهمة إنتاج الطاقة أو غيرها من الأغراض. كذلك ترتكز أعمدة هذا المفهوم على ما يفضي إلى المعاونة في حماية البيئة والمحافظة على الموارد الطبيعية، إلى جانب إلزام مختلف الإدارات بذل جهود حثيثة لاعتماد الآليات التي تتعامل مع الأنشطة الاقتصادية التي تسعى إلى ضمان النجاح في تحقيق معدلات نمو اقتصادي متقدم ومستدام، ما يعني الدعوة إلى دفع عجلة المشروعات التي بمقدور مخرجاتها تدعيم الطروحات الخاصة بإيجاد بيئة ملائمة لتحقيق نوعية حياة جيدة للبشرية في الحاضر والمستقبلية، حيث أنَّ التنمية الاستدامة تشكل في واقعها الموضوعي عملية للتغيير في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والبيئية؛ إذ أنَّ التنمية في النموذج  الجديد تُعَدّ منهجهًا يتعامل مع الإنسان بوصفه وسيلته وهدفه في الوقت ذاته، ما يؤشر أهمية تبني المجتمع الإنساني التنمية المستدامة كأداة استراتيجية لتحقيق سعادة الفرد ورفاهيته.

في أمان الله.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل