/
/
/

هل نحن ماركسيون؟ هل هناك ماركسيون  ؟ غباء، انت الوحيد الخالد. بمناسبة الذكرى المئوية للميلاد، من المرجح خلال هذه الايام،  تناول هذا السؤال مجددا، وستجري انهار من الحبر والحماقات. وان المديح والبزنطينية هي ارث دائم للشعب. لم يكتب ماركس تعليمًا إرشاديًا موجزًا ؛ فهو لم يكن مسيحا ترك سلسلة من الأمثال التي تحتوي على ضرورات قاطعة ، مطلقة، غير خاضعة للجدل، خارج معايير الزمان والمكان.

الحتمية القاطعة والمعيار الوحيد: "يا عمال العالم اتحدوا"! مهمة المنظمة، الدعاية الالتزام بالتنظيم والاتحاد ينبغي ان تكون السمة التي تميز بين الماركسيين وغير الماركسيين. وهذا قليل وكثير جدا: من سيكون ليس ماركسيا؟ ومع ذلك ، فإن الأمر على هذا النحو: فالجميع، لحد ما، ماركسيون باللا وعي.

كان ماركس عظيماً ، وكان مثمراً في نشاطه ، ليس لأنه اوجد شيئاً من لا شيء ، ليس لأنه استمد من خياله رؤية أصلية للتاريخ ، بل لأنه حول المتشضي ، غير المكتمل ، غير الناضج الى نظام ، الى ادراك. يمكن أن يصبح وعيه الشخصي وعيا الجميع ، وقد أصبح بالفعل وعيا للكثيرين: ولهذا السبب فهو ليس معلما فقط ، إنه رجل الفعل. وهو كبير ومثمر في الممارسة، مثلما هو في الفكر. لقد غيرت كتبه العالم، مثلما غيرت الفكر. ماركس يعني دخول الذكاء في تاريخ الإنسانية ، في عالم الوعي. لقد جاء عملة ( عمله )  مباشرة في الفترة التي حدث فيها الخلاف الكبير بين توماس كارليل وهربرت سبنسر حول دور الإنسان في التاريخ.[1] 

كارلايل: البطل ، الفردانية العظيمة ، التوليفة الصوفية للمجتمع الروحاني الذي يقود مصائر الإنسانية إلى نقطة بداية غير معروفة ، غير واضحة في أرض الكمال والقداسة المخادعة.

سبنسر: الطبيعة ، والتطور ، والتجريد الميكانيكي غير الهام. الإنسان: ذرة الكائن الطبيعي ، الذي يخضع نفسه لقانون مجرّد على هذا النحو ، ولكنه ، تاريخياً ، يصبح ملموسًا لدى الأفراد: مفيد على الفور.

لقد اتخذ ماركس لنفسه في التاريخ موقعا متكاملا  راسخا كعملاق: هو ليس صوفيا ولا ميتافيزيقيا إيجابيا   ؛ إنه مؤرخ ، وهو مفسر لوثائق الماضي ، جميع الوثائق، وليس مجرد جزء منها.  لقد كان هناك دوما  نقص  في الطرح التاريخي، للبحث في الاحداث البشرية: دراسة جزء من الوثائق والاهتمام بها. وهذا الجزء يتم اختياره ، ليس لاعتبارات تاريخية، بل لتحيز حزبي مسبق، وبلا وعي ايضا، وبنوايا حسنة. ولم تنشد البحوث الوصول الى الحقيقة، والدقة، واستعادة شاملة للحياة الماضية، بل التركيز على نشاط خاص ، وابراز أطروحة سابقة.لقد كان التاريخ مجرد سلطة للفكرة. وكان ينظر إلى الإنسان كروح ، كوعي نقي. وعلى اساس هذا المفهوم تم التوصل الى نتيجتين خاطئتين: كانت الافكار التي سلط عليها الضوء، في الغالب، تعسفية وهمية. كانت الوقائع التي اعطيت الأهمية سردية، ولم تكن توصيفا تاريخيا.واذا كتب التاريخ بالمعنى الحرفي للكلمة، كان ذلك بسبب الحدس العبقري للأفراد ، وليس عملا علميا منهجيا واعيا.

  وظل التاريخ بالنسبة لماركس سلطة الافكار، العقل، الفعل الواعي للبشر افرادا ومنظمين. لكن الأفكار تغتني بمحتوى عقلي، وتفقد طابعها الاعتباطي، ولم تعد وهمية دينية او اجتماعية مجردة.  ان جوهرها يكمن في الاقتصاد، في النشاط العملي في أنظمة وعلاقات الإنتاج والتبادل. ان التاريخ كحدث هو نشاط عملي خالص (اقتصادي وأخلاقي). ولا يمكن تحقيق فكرة من خلال التوافق المنطقي مع الحقيقة الصافية ، الإنسانية الخالصة (التي لا توجد إلا كبرنامج ، كهدف أخلاقي عام للإنسان) ، ولكن من خلال إيجاد تبريرها ، ووسائل تأكيدها، في الواقع الاقتصادي .

ومن أجل الإمساك الدقيق بماهية الأهداف التاريخية لبلد ما ، مجتمع ما ، مجموعات ما ، يجب قبل كل شيء فهم ما هي أنظمة وعلاقات الإنتاج والتبادل في هذا البلد ، في هذا المجتمع. وبدون هذا الفهم ، يمكن للمرء جمع دراسات جزئية ، وأطروحات مفيدة حول تاريخ الزراعة ، وان يجمع بين الأفكار المشتقة ، ويستخلص استنتاجات بعيدة ، لكنه لن يصنع تاريخا ، ولن يصل إلى اساس النشاط العملي في وحدته.

الأصنام تسقط من مذابحها (هياكلها) ، وترى الآلهة ذوبان سحابة عبق البخور. ويكتسب الانسان وعي الواقع الموضوعي، ويختزن السر، الذي يسببه المسار الفعلي للاحداث.يعرف الانسان نفسه، وهو يعرف ما قيمة ارادته الشخصية، وكيف يمكن لها ان تكتسب وزنا اكبر، عندما  يخضع الضرورة، ويجعلها مفيدة، ويصل الى نقطة يسيطر فيها على الضرورة، ويجعلها في توافق تام مع الهدف المحدد.  

من يعرف نفسه؟ ليس الانسان ببساطة، ولكن أولئك الذين ينحنون لنير الضرورة (يفهمون الضرورة )  . ان استكشاف جوهر التاريخ وتصنيفه وفق النظام، وعلاقات الانتاج والتبادل يكشف الكيفية التي انقسم بها المجتمع البشري الى طبقات. إن الطبقة التي تمتلك وسائل الإنتاج تعرف نفسها بالضرورة ، وحتى وان كانت مرتبكة ومجزأة، فهي تمتلك الوعي بسلطتها ورسالتها. ولديها اهداف تخصها، تحققها فعليا بواسطة وعيها المنظم، بدم بارد، وموضوعية، دون ان ينتابها القلق، بشأن مسارها الممهد بالجثث المنكوبة بالجوع أو بجثث ميادين المعارك. ويعطي منهج السببية التاريخية الحقيقية قيمة الكشف عن الطبقة الأخرى ، ويصبح مبدأ ترتيب لقطيع لايحصى بدون رعاة. يكتسب القطيع وعيه بنفسه ، الوعي بالمهمة التي يجب أن يعالجها على الفور، و لأن الطبقة الأخرى تسود ، فإنه يدرك (القطيع)   أن أهدافه الفردية تظل اعتباطية صرفة ، مجرد كلمات ، تسعى بلا هدف مؤكد ، طالما  أنها لا تملك الوسائل ، لكي لا يحول البحث الى ( رغبوية ). الأرادوية ؟ الكلمة لا تعني شيئا ، أو يتم استخدامها بمعنى اعتباطي. إن الرغبة ، المفهومة بالمعنى الماركسي ، تعني الوعي بالهدف ، وهو ما يعني بدوره معرفة دقيقة بالامكانيات الخاصة ووسائل ترجمتها إلى فعل. ولهذا السبب يعني أولاً وقبل كل شيء التمييز ، واستقلال الطبقة ، ويعني حياة سياسية ، مستقلة عن الطبقة الأخرى ، منظمة مغلقة ومنضبطة لأهدافها الخاصة ، دون انحرافات وتقلبات. إنه يعني اندفاعًا مباشرا نحو الهدف الأعلى، دون رنين أجراس في المروج الخضراء النائية للشرب من كأس الأخوة القلبية ، المليئة بالأعشاب الخضراء والاعترافات الرقيقة من الاحترام والحب.

"الماركسي„marxistisch“  " (لغويا – المترجم) ظرف  لا جدوى منه ، وقد يوفر مساحة لسوء الفهم والاسهاب غير المجدي . الماركسي Marxistisch : صفة وظرف كالعملات المعدنية المستهلكة  التي تتداولها الكثير من الأيادي. [2]
ان كارل ماركس بالنسبة لنا هو معلم الحياة العقلي والاخلاقي، وليس راعيا يحمل عصاه. إنه يهز الجمود العقلي ، يوقظ القوى الايجابية، النائمة والتي يجب ايقاضها من اجل معركة جيدة. وهو مثال على العمل المكثف والثابت، للوصول الى الافكار الواضحة الصادقة، والثقافة المتينة المطلوبة، لكي لا يجري الحديث من الفراغ وبتجريد. وهو كتلة متجانسة من انسانية عالمه ومفكرة،لا يحرس لسانه كي يتحدث،  ولا يضع يده على قلبه لكي يشعر، واكثر من هذا يصوغ استنتاجات صلبة،التي تدرك الحقيقة في جوهرها  وتسيطر عليها، والتي تخترق العقول و تهز الرواسب للخروج من الأحكام المسبقة والأفكار المسبقة وتقوي الطابع الأخلاقي.

ان كارل ماركس ليس طفلا يضج في المهد، وليس فتى ملتحيا  يزعج الكهنة. والامر لا يتعلق بشخص تشكل سيرته الذاتية سلسلة من القصص، تعكس طبيعته البشرية،بصياغات رائعة خرقاء. انه عقل متنوع واضح التفكير، وهو لحظة تجسيد للبحوث العلمانية المتحفزة، التي قامت بها الإنسانية ،لتكسب معرفة وجودها وتحولاتها،لالتقاط الايقاع الغامض للتاريخ والكشف عنه، لتقوية قدرات التفكير، وان تكون اكثر فعالية. ان ( جزءا ضروريا ومتكاملا   من ذهنيتنا، ما كان يمكن ان يكون، لو لم يعش ماركس، ولم يفكر، ولو لم ينتشر شرر النور بقوة تفانيه وأفكاره وآلامه ومثله العليا. عندما تحتفي البروليتاريا العالمية بكارل ماركس بمناسبة ذكرى مولده  المئوي  (1918 – المترجم)، فانها تحتفي بنفسها، بقوة وعيها، تحتفي بدينامكية استعدادها للهجوم المستند على انجازاتها، الذي سيكشف امتيازات الحاكمين، ويعد المعركة النهائية، التي ستتوج كل الجهود والتضحيات.
ملاحظات

نشر غرامشي مقالته في الرابع من  ايار 1918 بمناسبة حلول الذكرى المئوية لميلاد كارل ماركسن في المجلة الاسبوعية "نداء الشعب" الصادرة عن فرع الحزب الاشتراكي في مدينة تورينو الايطالية.

ترجمت المقالة عن نصها الالماني  المنشور في كتاب:

Antonio Gramsci - vergessener Humanist?
Zusammengestellt und eingeleitet von Harald Neubert, S. 36 ff; Dietz Verlag Berlin, 1991

والتي اعيد نشرها بمناسبة مرور مئتان عام على ميلاد ماركس في موقع

 http://marx200.org

 [1] يشير غرامشي الافكار الواردة في كتاب"حول المادية التاريخية – ملاحظات تمهيدية" الصادر في عام 1896 لمؤلفه أنطونيو لابريولا (1843 - 12 فبراير 1904) أستاذا للفلسفة النظرية في جامعة روما. واحد الماركسيين الأوائل الأكثر تأثيرا في إيطاليا.

[2] هذا التفسير المثير للدهشة لغرامشي يفسر ابتعاده  عن التوجه المهيمن لقادة الاممية الثانية في وقت متقدم ، الذي ادعى صفة "الماركسي" ، والذي بالنسبة لغرامشي يمثل جمودا فكريا، مسؤول عن إفلاس " الاممية الثانية".

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل