/
/
/

تعد الاحتجاجات, اليوم, سياسة مشاكسة, وفي الوقت نفسه, مظهراً من مظاهر الديمقراطية, بل إنها ضرورة لبناء الدولة. وهي جزءٌ لا يتجزأ من الممارسة السياسية, فالناس لا يعتمدون هذه الأيام على الاحزاب السياسية والانتخابات فقط, لكي يعبروا عما يختارونه أو ما يشغلهم.
وهنا محاولة تعمل على فهم الاحتجاجات على وفق المحاور الآتية:-
1-
احتجاجات البصرة مجموعة صور وليست صورة واحدة
2-
محاولة في فهم عنف احتجاجات البصرة
3-
احتجاجات البصرة وأزمة القوى الاجتماعية

أولاً- مجموعة صور وليست صورة واحدة للاحتجاجات

إن عقلية الآباء في العراق تخشى من أية دعوة الى التظاهر, ولاسيما في تموز لما يحمله هذا الشهر من أرث دموي في تاريخ الدولة العراقية. لكن احتجاجات تموز ٢٠١٨م, التي تصدرها الجيل الجديد من الفتيان, الذين لم يرضخوا لهذه الخشية، ولم يتأثروا بـ" سياسة الخوف".
ويمكن تلخيص صور الاحتجاجات في البصرة, بما يأتي:-
1-
لا توجد صورة واحدة, إنما مجموعة صور, لا يمكن فهمها على وفق النظريات السائدة, فمنها ما يُفهم من منظور سيكولوجيا الجماهير ومنها ما يفهم على وفق سيكولوجيا الفرد.
2-
اغلب المراقبين اعتقدوا أن احتجاجات البصرة لا تتجاوز شهر تموز, بينما استمرت لشهرين: من 6 تموز الى 7 أيلول/ 2018.
3-
لعل ما يميز احتجاجات البصرة, مشاركة المرأة بشكل فعال, وهذا يدل على استثمار رأس المال الاجتماعي.
4-
غياب القوى الاجتماعية في البصرة اثناء الاحتجاجات.
5-
تظاهرات البصرة, بلغت مرحلة الاحتجاج, لكنها لم تشكل حركة اجتماعية.
6-
لم تعد الدعوات الدينية, أو الحزبية فقط, هي من تحرك الشارع.
7-
احتجاجات بلا قيادة, مما يعني انها تجمعات فردية, بشكل جماعي, على الرغم من وجود تنسيقيات تحاول التنظيم, لكنها في الواقع الفعلي تدعو الى التظاهر, الا انها لا تتحكم ببوصلته.
8-
ذهنية المُحتج, عندما يتوجه المحتجون الى مؤسسات الدولة, فهذا يعني قناعتهم بوجود دولة, لكن عندما يتوجهون الى مقرات الاحزاب, فهذا يشير إلى عدم تحقق مفهوم الدولة لديهم.
9-
العنف الذي قوبل به المتظاهرون لا يمكن تبريره.
10-
احتجاجات البصرة 2018, استطاعت الخروج من محليتها, وبلغ تأثيرها الى أغلب المدن العراقية في الجنوب والفرات الأوسط, التي خرجت في تظاهرات, مع التحفظ على الموقف في بغداد, إلا من خلال بعض المتعاطفين, الذين بلغت اعدادهم احيانا عشرات. وقد نالت اهتماما اقليمي ودوليا, فضلاً عن الاهتمام الاعلامي, وهذا الأمر يحسب لصحفيي البصرة, الذين اثبتوا جدارتهم بتغطية الحدث.
11-
كانت الاحتجاجات خالية من السيناريو, وعبرت عن كارثة ترقى الى مستوى الحريق الشامل.
والخلاصة, أن هناك احتجاجا, ومطالب, وشغبا, وغياب القوى الاجتماعية.

ثانياً- محاولة في فهم عنف احتجاجات البصرة

نادراً, ما نجد, اليوم, باحثاً نشطاً ينحاز الى موقف السلوك الجمعي, لأن الاحتجاج والحركات الاجتماعية ما هما إلا سياسة بمعان أخرى. ومع احتجاجات البصرة, نقف امام رأيين, أما القول بأن العنف كان بفعل مندسين, وهذا الرأي لا يمكن نفيه أو تأكيده, لأنه يحتاج الى جهد أمني أكثر مما هو جهد بحثي, أو محاولة فهم العنف على وفق نظريات الاحتجاج المعاصرة, وهذا ما سأعمل عليه. مع تأكيد القول أنه على الرغم من صورة العنف التي سادت, إلا أن هناك صورة أخرى متمثلة, بالمحتجين الذين حموا مؤسسات الدولة, مثلما حدث في أبي الخصيب, والزبير وغيرها من الأماكن, فضلاً عن حمايتهم المال الخاص, مثل: المحال التجارية ومول البصرة تايمز سكوير.
ومن اجل التوضيح, يمكن القول أن في الاحتجاجات هناك الجماعات الهادئة وكذلك الجماعات العنيفة, التي تؤمن بأن العنف وسيلة لتوصيل قضيتها. وهنا ينبغي ملاحظة أمرين: حينما يفشل المحتجون في أن يوصلوا مطالبهم الى أعداد كبيرة من الناس ولا يستطيعون تغيير الرأي العام, فإنهم يلجؤون الى استراتيجيات العنف, كما أن العنف أيضا طريقة لجذب انتباه وسائل الاتصال, والرأي العام, وبعض الباحثين يعُد أساليب العنف ضرورية لإيقاظ الجماهير من صمتها. كذلك, تضخم الثقة بالنفس لدى الجماهير واطمئنانها الى عدم المحاسبة والمعاقبة كلما كان عدد الجمهور أكبر, وهنا, يمكن فهم لماذا تأتي الجماهير المحتشدة بأعمال لا يأتيها الفرد في العادة, نتيجة التحرر.
أما عن الحفاظ على سلمية الاحتجاجات فإنه يقع على عاتق المحتجين, فحينما يرون أن العنف هو الذي ساد الاحتجاجات, فإن على المحتجين السلميين مغادرة ساحة التظاهرة وايقاف وتيرة الاحتجاج الى أن يتم السيطرة على الوضع وهذ ما حدث في البصرة بعد احداث 6-7 ايلول, اذ ان اغلب المحتجين دعوا الى ايقاف التظاهر.

ثالثاً-احتجاجات البصرة وأزمة القوى الاجتماعية

إن الاحتجاجات انتجت تجمعا من الناس عبروا عن معاناتهم, فمن يشعر بالظلم والعزلة والتهميش سوف يتجمع مع من يشاركه معاناته, ويشتركون حول مطلب مشترك, وبالإمكان تشكل حركة اجتماعية تستهدف الاصلاح. لكن أمام هذه الصورة هناك أزمة في القوى الاجتماعية.
تقليدياً, يمكن تقسيم القوى الاجتماعية الفاعلة في البصرة إلى ثلاثة أقسام: شيخ العشيرة, ورجل الدين, وقوة ثالثة تنقسم الى قوى محتملة, بعض التجار, بعض المثقفين, بعض الاكاديميين (مع التركيز على كلمة محتملة).
إن قوة شيخ العشيرة في البصرة لا يمكن مقارنتها مع مكانة شيوخ عشائر الفرات الأوسط, أو شيوخ الناصرية وميسان, لأن أغلب عشائر البصرة لا تمتلك مركزية في المشيخة, إلا مع بعض العشائر البصرية, والتي يميل افرادها الى المدنية, فربما يوجد للعشيرة الواحدة عدة مشايخ, وهذا يقلل من التأثير, أو انهم امتداد لعشائر ميسان والناصرية, فضلاً عن تاريخ البصرة المدني, الذي له ذكريات سيئة مع بعض العشائر, فبالنتيجة إن هذه القوة الاجتماعية لم تكن فاعلة اثناء الاحتجاجات, الا من خلال المشاركة الرمزية لبعض شيوخها, أما غالبية العشائر الأخرى, فوجودها ينحصر بصراعاتها, بل ان الامر وصل الى أن في ذروة الاحتجاجات والعنف, كان هناك نزاع عشائري حدث في شمال البصرة.
أما رجال الدين, وهنا ينبغي التأكيد ان شيعة البصرة يختلفون عن الشيعة في مدن العراق الأُخرى لوجود ثلاثة تقسيمات رئيسة: شيخية, وأخبارية, وأصولية, ولعل الأولى تُعد من أقوى القوى الفاعلة ضمن جماعتها, وتضمن مشاركتها في محاولتها في حل الأزمة عبر المساعدة في اصلاح معدات نقل المياه وتصفيتها- وان كانت مشاركة رمزية, ولم يُعلن عنها-, أما الثانية فقواها منهارة, والثالثة أي الأصولية, فإنها مرتبطة بخارج البصرة أي انها لا تنتج قراراً بصرياً مؤثراً, انما تنتظر موقف المرجعية الدينية في مدينة النجف, على الرغم من محاولة بعض رجال الدين من الشيعة الأصولية, التدخل, الا ان ذلك لم ينتج أي تأثير, مما اضطر الى مجيء مبعوث الى البصرة ممثلاً عن مرجعية السيد السيستاني. اما رجال الدين السنة, فأغلبهم قد فقدوا حضورهم, الا من خلال بعض الافراد, الذين يعد وجودهم على مستوى مناطقهم.
أما من يتحدث عن قوة اجتماعية متمثلة بنخب اكاديمية أو ادبية, فهنا ينبغي التريث قليلا, لأنه يمثل نقداً للذات. إن حديث مثقفينا اليوم عن دور المثقف ورسالته بشكل عام, حديث يخلط عادة بين الدور الذي يزعمونه لأنفسهم والرسالة, التي يدّعون القيام بها, وبين وضعيتهم الحقيقية في الواقع الفعلي, وهذه مشكلة قديمة.
هذا الموضوع شائك, ويحتاج الى دراسة وربما دراسات, لكن يمكن القول أن هناك نمطين مختلفين من الالتزام الاجتماعي والسياسي: أحدهما سياسي والآخر نقد اجتماعي, الاول ربما يكون ناشطا في مجال اختصاصه, كذلك ناشطا في مجال السياسة (ناشط سياسي). والمحور الثاني, يتمثل بالقول, بضرورة إدراك الهشاشة المفرطة للقوانين والمؤسسات. وهنا دور المثقف لا يتمثل في تشكيل الارادة السياسية للآخرين, بل في اعادة مساءلة البديهيات عن طريق التحليلات التي يقوم بها في المجالات الخاصة به, وفي زعزعة العادات وطرق العمل والتفكير, وفي تبديد المألوف المسلّم به, وفي استعادة حدود القواعد والمؤسسات. وفي الواقع, لم يكُن لمثقفي البصرة, أي دور وفق المحور الثاني, فربما شارك بعضهم في التظاهرات بوصفه مواطناً يُعاني مما يحدث, أو بشكل تجمعات من خلال اتحاد الادباء أو النقابات, كمشاركة رمزية. ولعل أهم دور, وإن كان فردياً, أكثر مما هو يُعبر عن قوة اجتماعية, هو محاولة بعض المثقفين, تعريف الرأي العام العالمي والإقليمي, باحتجاجات البصرة وأزمتها.
من هنا ينبغي على الاكاديميين والمثقفين, بشكل عام, تكثيف جهودهم في دراسة الواقع الذي ينتمون إليه, ولعل أولى الخطوات, التي ينبغي العمل عليها, هي تشخيص واقعهم, وفهمه على وفق رؤية أكاديمية, وتنظيم لقاءات وورش عمل بين المختصين.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل