/
/
/

في 18/7/2018، خطت الكنيست الإسرائيلية خطوة استراتيجية كبرى، على طريق تعميق عنصرية المنظومة القانونية لإسرائيل، وطابعها الاحتلالي الاستعماري الاستيطاني، حين أجازت قانون القومية اليهودية، وهو القانون الذي يفترض أن تكون له تداعياته السياسية والاجتماعية، ليس على صعيد العلاقة بين الدولة الإسرائيلية والأقلية الفلسطينية في مناطق الـ48، بل وكذلك على صعيد العلاقة مع المناطق الفلسطينية المحتلة. وفي سياق تأجيج الصراع مع الشعب الفلسطيني.

(1)

ولدت فكرة، هذا القانون في 22/7/2013، على يد ديختر (الرئيس السابق لجهاز الشاباك) والعضو في حزب الليكود. وقد تمّ تقديمه ليكون قانون أساس جديد، يضاف الى سلسلة القوانين الأساس التي تعتمدها إسرائيل بمثابة دستور مؤقت لها، منذ الإعلان عن قيامها في 14/5/1948. إذ من المعلوم أن إسرائيل ولأسباب شتى، بعضها ذو علاقة بتركيبتها الاجتماعية الطائفية وبعضها الآخر ذو علاقة بالمشروع الصهيوني وأحلام قيام «إسرائيل الكبرى» على كامل «أرض إسرائيل»، تجاوزت ضرورة أن يكون للدولة دستور ينظم أوضاعها، ولجأت بدلاً من ذلك إلى صيغة «القوانين الأساس»، التي تشكل مجتمعه، بديلاً مؤقتاً لهذا الدستور ويأتي «قانون القومية» في سياق استكمال البنية الفكرية والسياسية والإجتماعية لصياغة دستور للبلاد، عندما تحين اللحظة التي تراها ضرورية وملحة وسانحة في الوقت نفسه.

على مدى خمس سنوات خضع المشروع للنقاش المحتدم أحياناً، والساخن أحياناً أخرى. لكنه شكل في كل الأحوال موضوعاً خلافياً، بين الأحزاب الإسرائيلية بين من يرى ضرورة تبني هذا القانون، بإعتباره يحصن إسرائيل في وجه «الخطر» الفلسطيني، وبين من يرى في هذا القانون انزياحاً نحو اليمين، ونحو دولة عنصرية، يهيمن فيها الفكر اليميني المتطرف، والنزعات الدينية، وما يضعف التيارات السياسية الصهيونية المسماة «يسارية» أو وسطية أو علمانية. كما أن بعض الأحزاب الإسرائيلية الصهيونية رأي في المشروع ما يشكل تناقضاً مع «الديمقراطية» التي تعتبرها عنواناً لدولة تقدم نفسها الى العالم الغربي باعتبارها عنواناً لحضارة الغرب وتقدمه الديمقراطي في صحراء المشرق العربي .

إلى أن حانت اللحظة الفاصلة في 18/7/2018، حين توافق الائتلاف الحكومي، بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، (الليكود) ونائبه زعيم البيت اليهودي، نفتالين بينت، مدعومين من وزيرة القضاء في الحكومة ايليت شاكيد، على ضرورة الإفراج عن القانون والتصويت عليه. ففاز بأغلبية 62 صوتاً (من أصل 120 هم أعضاء الكنيست، فاعتبر قانوناً نافذاً لكن لوحظ في السياق، أن اثنين من نواب الائتلاف الحكومي لم يصوتاً للقانون، وأن النواب العرب، إن في القائمة العربية المشتركة، أو في أحزاب الائتلاف الحاكم، لم يصوتوا هم أيضاً، ما أوضح حجم إغلاق داخل البنية السياسية في إسرائيل، شكلت بنية الكنيست انعكاساً لها، بكل ما يحمله هذا الإنعكاس من مضامين ومعانٍ.

(2)

خمس سنوات خضع فيها المشروع للنقاش والتعديلات إلى أن أصبح قانوناً. فما هي دوافع تبني القانون في هذه اللحظة التاريخية؟

في هذا السياق يمكن أن نخلص إلى أكثر من جواب.

  • مع الانتفاضة الثانية (عام 2000) دخلت العلاقات بين المشروع الصهيوني والأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل مرحلة جديدة. حين خرجت جماهير الفلسطينيين في شوارع المدن والأحياء الفلسطينية العربية ترفع العلم الفلسطيني وتهتف للانتفاضة ضد الاحتلال الإسرائيلي. يومها قمعت السلطات الإسرائيلية المتظاهرين، وسقط منهم 12 شهيداً، احتسبوا شهداء الانتفاضة الفلسطينية، وهذه لفتت نظر مراكز البحث والدراسات الإسرائيلية، التي خلصت في مؤتمر هرتسيليا الأول (مطلع العام 2001) إلى استنتاج خاص بها، يعتبر الفلسطينيون العرب داخل إسرائيل، «العدو الأول والخطر الأول» على الدولة الإسرائيلية واعتبرهم « طابوراً خامساً» للمقاومة الفلسطينية داخل إسرائيل. وبناء عليه رسمت التوجهات داخل إسرائيل، وأخذ الإنزياح نحو اليمين واليمين المتطرف يزداد تصاعداً، واتسعت القواعد الانتخابية للأحزاب اليمينية على حساب باقي الأحزاب الإسرائيلية كالعمل وميرتس على سبيل المثال.
  • زاد من تطرف اليمين الإسرائيلي محاولته لإقصاء النواب «العرب» من داخل الكنيست حين رفع عتبه الحسم على اعتقاد أنها ستستبعد الأحزاب الإسرائيلية الصغيرة، كما في مقدمها الأحزاب «العربية» رد الفعل داخل الأقلية الفلسطينية شكل مفاجأة لليمين الإسرائيلي حتى توحدت الأحزاب العربية انتخابيا في لائحة مشتركة، حلت في الموقع الثالث في ترتيبات القوى السياسية في الكنيست، ما عمق النزعة الصهيونية العنصرية، وعزز الرأي القائل بأن الفلسطينيين العرب يشكلون خطراً على مستقبل المشروع الإسرائيلي، ما دفع بالعديد من غلاة المشروع الصهيوني للدعوة علناً الى تهجير «العرب» إلى مناطق السلطة الفلسطينية عبر« تبادل للأرض» على قاعدة ضم المستوطنات لإسرائيل مقابل ضم أم الفحم ووادي عارة والمناطق الأخرى، كثيفة السكان «العرب» لتخوم السلطة الفلسطينية.
  • شكل انسداد العملية السياسية تحت سقف أوسلو عاملاً إضافياً، خاصة حين نجحت سلطات الإحتلال في إستغلال هذا الإنسداد لصالح توسيع مشاريع تهويد القدس ومشاريع الاستيطان في أنحاء الضفة الفلسطينية. زاد تغول الاستيطان، وذهاب سلطات الاحتلال بعيداً في انتهاك اتفاق أوسلو وتجاوز بروتوكولاته، ارتباك المواقف السياسية الرسمية الفلسطينية وصمودها واعتمادها سياسة انتظارية ورهانات فاشلة على تغيير ما في إسرائيل، أو في الموازين الإقليمية، بما في ذلك رهانها على الدور الأميركي في الضغط على إسرائيل، إبان إدارة أوباما، وبعدها إدارة ترامب، التي راهنت القيادة الرسمية الفلسطينية عليها طوال أشهر غير قليلة باعتبارها هي التي تحمل في جعبتها مشروعاً لإنقاذ «حل الدولتين»، لتفاجأ بـ«صفقة العصر»، والتي شرعت إدارة ترامب في تطبيقها خطوة خطوة، وقد أنجزت منها، حتى الآن ما يقارب 70% منها بإعتراف أمين سر اللجنة التنفيذية في م.ت.ف صائب عريقات. ولعل استغراق القيادة الرسمية في سياسة الرهانات الفاشلة، أسهمت إلى حد كبير، في تشجيع إدارة ترامب، وفي سيل لعاب الاستيطان الإسرائيلي، الذي تحول الى مشروع استراتيجي لبناء مشروع اسطوري لإستيعاب، خلال سنوات، أكثر من مليون مستوطن جديد، منهم 300 ألف في القدس المحتلة وحدها، ما يقلب رأساً على عقب ما كان يسمى مخاطر القنبلة الديمغرافية الفلسطينية وبحيث تحافظ إسرائيل على الأغلبية اليهودية، ليس في مناطق الـ  48 فقط، بل وكذلك داخل المناطق المحتلة عام 67، ما يبرر لإسرائيل ادعاءاتها بشرعية الاستيطان.
  • عامل آخر أسهم في تشجيع حكومة نتنياهو على استدعاء «قانون القومية» هو الإنحياز الأميركي والأوروبي لصالح الإدعاء الإسرائيلي بأنها دولة يهودية، خاصة وأن «حل الدولتين» كما تبنته أوروبا، والولايات المتحدة، وبعض الدول العربية، وكذلك القيادة الرسمية الفلسطينية، يعترف بأن إسرائيل «هي الوطن القومي لليهود»، مقابل أن تكون الدولة الفلسطينية «الوطن القومي للفلسطينيين»، بتكتيك إسرائيلي خبيث، مقابل سياسة رسمية فلسطينية قامت على الوهم، استغلت إسرائيل تعريف «حل الدولتين» لها، وعطلت بالمقابل قيام الدولة الفلسطينية.

والمفارقة أن القيادة الرسمية الفلسطينية، ما زالت، رغم كل هذه التطورات، تتمسك بـ «حل الدولتين»، ومازالت تراهن على أنه الحل القادم للصراع مع إسرائيل، وتمعن في سياسة تعطيل قرارات المجلس المركزي (5/3/2015 + 15/1/2018) وقرارات المجلس الوطني (30/4/2018).

  • ومما لا شك فيه أن «الانفتاح» العربي على إسرائيل شكل عاملاً من عوامل تشجيع حكومة نتنياهو على استحضار «قانون القومية» فقد تراجعت، لدى بعض العرب، مرتبة القضية الفلسطينية في حساباتها الإقليمية لتحل محلها حسابات الصراعات الإقليمية في محاور، وجدت خلاله بعض العواصم العربية مصلحتها في «انفتاح» على إسرائيل من خلال خطوات تطبيعية، بعضها معلن، وبعضها الآخر من تحت الطاولة، في ميادين مختلفة، ما جعل من إسرائيل عضواً في كتلة إقليمية تتمحور حول السياسة الأميركية، وعلى حساب المصالح الوطنية الفلسطينية.
  • وأخيراً، وليس آخراً، لعبت «صفقة العصر» الدور المركزي في توفير الغطاء السياسي للقانون الإسرائيلي الجديد. فبعد شطب قضية القدس، والإستيطان، واللاجئين، والحدود، من جدول أعمال المفاوضات، [كما تفترض واشنطن وتل أبيب] وسقوط الوهم باستئناف مفاوضات الحل الدائم، على غرار ما جاء في «مبادرة الرئيس» في 20/2/2018 تكون الأبواب باتت مشرعة أمام الحل الإسرائيلي ـــ الأميركي وعلى حساب الحقوق والمصالح الوطنية للشعب الفلسطيني.

(3)

أية قراءة للقانون الإسرائيلي من شأنها أن تستخلص أن المستهدف بالقانون ليس تعريف إسرائيل فإسرائيل، وقبل صدور القانون، كانت تعرف نفسها بأنها دولة يهودية بل المستهدف، أولاً وقبل كل شيء الشعب الفلسطيني ومستقبله السياسي, وأن المستهدف، ليس فقط الأقلية الفلسطينية داخل إسرائيل، بل الشعب الفلسطيني كله، في مناطق تواجده كافة.

  • فالقانون لا يقتصر على تعريف إسرائيل أنها دولة يهودية بل يذهب إلى حد (ما جاء في حل الدولتين) بأنها الوطن القومي للشعب اليهودي.الذي يفترض «جمع شتاته» كما يدعي المشروع الصهيوني. صحيح أن جماعات يهودية في العالم، رفضت هذا التعريف وأكدت تمسكها بموطنها الأصلي حيث هي تقيم، ورفضت تمثيل إسرائيل لها، لكن الصحيح أيضاً أن هذا القانون، الذي يرتقي إلى مستوى الدستور، يجدد التأكيد على «قانون العودة»، وعلى الحق (المزعوم) لكل يهودي للقدوم إلى إسرائيل باعتبارها «وطنه القومي», فضلاً عن أن هذا ينزع عن فلسطين صفتها، ويمنحها الصفة الإسرائيلية الوحيدة، فالقانون يتحدث عن «أرض إسرائيل»، باعتبارها وحدة واحدة غير مجزأة، ولا يرسم لها حدودً معينة لا في هذا القانون، ولا في أي قانون آخر.
  • أنه يحصر «حق تقرير المصير» بـ «الشعب اليهودي» فقط، ويسقطه عن الشعب الفلسطيني، ما يسقط عن الفلسطينيين كونهم شعباً، له حقوقه الوطنية والقومية، وله حقه في تقرير المصير. وهذا يطال الحقوق كافة، من الحق في الدولة المستقلة، إلى حق العودة، إلى الحق في رسم مستقبل فلسطين (التي صارت بموجب القانون «أرض إسرائيل»).
  • يعطي لإسرائيل الحق في الاستيطان، على كامل «أرض إسرائيل»، دون حواجز حدودية بين مناطق الـ 48، ومناطق الـ67 ، ففلسطين كلها باتت مسرحاً للإسيتطان، ما يعطي «الدولة» الحق في مصادرة الأرض الفلسطينية، إن في مناطق الـ 48، أو في مناطق الـ 67 باعتبارها  أرضاً إسرائيلية، هي حق للشعب اليهودي، في عودة إلى مفاهيم مناحيم بيغن الذي وصف احتلال الجيش الإسرائيلي للضفة الفلسطينية، بما فيها القدس، بأنه «تحرير» لها من «الأغيار» الفلسطينيين، وبأن حرب 67 أعادت للشعب اليهودي أرضه.

(4)

القانون أثار لدى الفلسطينيين في إسرائيل ردود فعل صاخبة، إذ استشعروا خطورة هذا القانون، لأنه، وأن لم يأتِ بجديد، من حيث الممارسة، إلا أنه أطفى على هذه الممارسات الصفة القانونية، ما يعرض للخطر الوجود الفلسطيني كله، في مناطق تواجده كافة، لذلك أثاروا ما أثاروه من ضجيج في الكنيست. وتوجهوا إلى المحكمة العليا في إسرائيل يطعنون في شرعية القانون و «ديمقراطيته». كما توجهوا إلى الإتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية يطلبون الإسناد والتضامن والدعم المطلوب. ولديهم توجه بالشكوى لدى محكمة العدل العليا في لاهاي، ولدى الأمم المتحدة، وباقي المحافل الدولية.

على الصعيد الفلسطيني، خارج مناطق الـ 48، صدرت بيانات شجب واستنكار، ودراسات تغوص في «أسرار» القانون الجديد وخطورته. لكن هذا لا يكفي.

فقد أعاد القانون (دون أن يتقصد ذلك الطبع) وصل ما قطعه اتفاق أوسلو، من صلة توحيدية بين أبناء الشعب الفلسطيني في أماكن تواجده. و«اكتشف» الفلسطينيون مرة أخرى، ما توصل إليه البرنامج المرحلي ( الذي ابدعته الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين) أنهم شعب واحد، وأن حقوقهم واحدة، وأن برنامجهم يجب أن يكون واحداً في دوائره الثلاث: حق العودة (للاجئين) وتقرير المصير (لمن هم في إسرائيل) والدولة المستقلة (في المناطق المحتلة).

القانون الإسرائيلي الجديد دفع بمحمد بركة رئيس اللجنة العربية للعليا في إسرائيل إلى الدعوة لعقد مؤتمر فلسطيني، لكل الفلسطينيين في العالم ليبحثوا مصيرهم كشعب واحد وفي دعوة تستحق الاهتمام من قبل الدوائر السياسية الفلسطينية، في م.ت.ف وفي الفصائل، من مقدماتها طي صفحة أوسلو، ووقف الرهان على بقاياه، واستعادة البرنامج الوطني، الذي من شأنه أن يوحد الشعب الفلسطيني وأن يوحد حقوقه. ويمكن ترجمة دعوة بركة من خلال قيام صيغة جامعة لكل الفلسطينيين لا تشكل بديلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية، هي صيغة «المؤتمر الوطني الفلسطيني»، الذي من شأنه أن يفتح الباب لحركة فلسطينية جديدة، تلتف على القوانين الإسرائيلية، وتصون حرية الحركة لمن هم في الـ 48، كما تصون الموقع التمثيلي لمنظمة التحرير الفلسطينية.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل