/
/

 شهد اليوم الثاني عشر من شهر كانون الثاني الجاري اعلان تحالف "سائرون" الذي يضم الحزب الشيوعي وأحزاب " الاستقامة الوطني" المدعوم من السيد مقتدى الصدر، و"التجمع الجمهوري" و"الدولة العادلة" و"حركة الشباب للتغيير" و"الترقي والأصلاح".

وقد وجد هذا التحالف المتميز بتركيبة اطرافه، ارتياحا وتأييدا من جانب اوساط شعبية واسعة. لكنه أثار تساؤلات وتحفظات لدى أوساط أخرى ومن منطلقات مختلفة. لذا بات ضروريا ايضاح كونه جاء منسجماً مع سياسة حزبنا، التي رسمها مؤتمره الوطني العاشر اواخر 2016، ومع التوجهات التي اعتمدها الحزب في مجال التحالفات منذ انعقاد المؤتمر. كما انه لم ينبثق فجأة ومن دون مقدمات، بل جاء كإحدى ثمرات الحراك الشعبي والاحتجاجي، الذي انطلق في تموز 2015 وما زال مستمراً بمشاركة واسعة من المدنيين، ومنهم الشيوعيون وأصدقاؤهم، ومن "الصدريين". ففي مجراه نشأت وتوطدت في ساحات الاحتجاح وفي فعاليات الحراك، علاقات تعاون وتنسيق وتوافق على شعارات ومطالب مشتركة، تدعو للاصلاح والتغيير ومحاربة الفساد وتوفير الخدمات وتخفيف معاناة الفئات الشعبية، واقامة دولة المواطنة - الدولة المدنية الديمقراطية على قاعدة العدالة الاجتماعية.

لقد بيّن مؤتمر حزبنا الوطني العاشر انه أمام انسداد أفق حل الأزمة السياسية المطبقة على البلاد، وإصرار المتنفذين على نهجهم ومواقفهم، أصبح التغيير ضرورة موضوعية ملحة، وان المطلوب هو تغيير المنهج واساليب الادارة ونمط التفكير. كما شدد على ان التغيير المطلوب لن يتحقق الا ببناء بديل يضع حدا لنظام الطائفية السياسية ويفتح افقا وفضاءً لإقامة الدولة المدنية الديمقراطية.

واوضح المؤتمر في الوقت ذاته ان تغييرا بهذا السعة والاهمية يحتاج الى مقاربات متعددة وانفتاح أوسع، ويحتاج الى قوى جديدة وتحالفات قادرة على احداث تغيير حقيقي في تناسب القوى الفاعلة، وليس اعادة انتاج نظام المحاصصة. كذلك أكد ان الوصول الى دولة المواطنة والقانون والمؤسسات والديمقراطية الحقة، يستلزم نضالا متواصلا ومتراكما، وتحالفات واصطفافات مدنية وطنية عابرة للطوائف، وحشد طيف واسع من القوى الداعمة للاصلاح والتغيير.

وانطلاقا من ذلك شدد الحزب، كما جاء في البلاغ الصادر عن اجتماع لجنته المركزية في كانون الاول ٢٠١٧ "على مواصلة العمل مع التيار الديمقراطي والانفتاح على سائر القوى المدنية والديمقراطية، وهو ما تجسد في تشكيل تحالف القوى الديمقراطية المدنية (تقدم)، فيما بينت التطورات وتواصل الحراك الجماهيري وتعدد اشكاله، إمكانية التعاون والتنسيق مع أطراف وطنية أوسع، بمن فيهم بعض الإسلاميين المعتدلين والمتنورين".

وحسب البلاغ نفسه وفرت هذه التطورات إمكانية السعي الى إقامة أوسع اصطفاف مدني ديمقراطي وطني، لتشكيل كتلة انتخابية كبيرة، تخوض الانتخابات وتكسر احتكار السلطة وتفتح الطريق نحو بناء تجربة ديمقراطية حقة وحياة مدنية، في ظل دولة مؤسسات وقانون تحترم حقوق الانسان وتسود فيها قيم العدالة والمواطنة.

وفي السياق ذاته اشرت اللجنة المركزية للحزب في اجتماعها المذكور، حقيقة ان لا فكاك من نظام ودولة المكونات والمحاصصة، الا بتعديل موازين القوى السياسية لصالح مشروع التغيير ومن يتبناه ويدعمه ويناضل من اجل تحقيقه ، الامر الذي يتطلب اصطفافا واسعا للقوى المتطلعة الى إنقاذ البلد من الحال الذي انتهى اليه، وتدشين الإصلاح والتغيير المنشودين .

وسعى الحزب وقيادته ومنظماته ورفاقه الى العمل على مستويات عدة، لتنفيذ ما أقره المؤتمر الوطني العاشر من نهج وما رسمه من سياسات. وحرصت اللجنة المركزية في اجتماعيها التاليين (نيسان وكانون الاول ٢٠١٧) على وضع التوجهات وتحديد الآليات، الكفيلة بتحقيق الهدف المتمثل في اقامة اوسع اصطفاف مدني ديمقراطي وطني، لتشكيل تلك الكتلة الكبيرة العابرة للطوائف والقادرة على احراز نجاحات ملموسة في الانتخابات القادمة لمجالس المحافظات ولمجلس النواب.

وتنفيذا لهذه الوجهة التي رسمها الشيوعيون بإرادتهم الحرة، بذل الحزب جهداً كبيراً لتوحيد صفوف القوى المدنية والديمقراطية، خاصة بعد انسحاب بعض القوى التي كانت ضمن التحالف المدني الديمقراطي. وتجسد ذلك في تشكيل تحالف "تقدم" وفي عقد مؤتمره العام ومؤتمراته المحلية في بعض المحافظات، وتوسيع صفوفه وترسيخ بنائه. ولم يكن ذلك بالامر اليسير، خاصة بعد انضمام قوى جديدة الى "تقدم"، تحمل رؤى وتوجهات متباينة احيانا، الى جانب حداثة في العمل وفي التجربة العملية. وكان ان اصطدمت جهودنا لتوسيع "تقدم"، والانفتاح على فضاء وطني أوسع انطلاقا من التقديرات والتوجهات السياسية أعلاه، بصعوبات غير قليلة، وبرزت مواقف متقاطعة لاطرافها سواء في شأن انضمام أعضاء جدد، او في خصوص التوجه لبناء الكتلة الوطنية الكبيرة العابرة للطوائف والمناهضة للفساد والمتطلعة الى الإصلاح.

وبصبر ونفس طويل، وحتى عشية الموعد النهائي لتسجيل التحالفات الذي حددته المفوضية العليا للانتخابات، انتظرنا ان يحسم بعض حلفائنا في "تقدم" موقفهم من مسألة التحالف الوطني الواسع. وقد جاء موقفهم آخر المطاف سلبيا حسب اجتهادهم الخاص الذي نحترمه، فيما كانت أطراف اخرى قد اتخذت قرارها قبل ذلك وأصبحت عمليا خارج صفوف "تقدم".

امام هذه الحالة التي لم نكن نريدها، والتي سعينا الى تلافي وقوعها حرصا على بقاء "تقدم" وعلى تماسكها وتوسع صفوفها والتوجه سوية نحو الفضاء الوطني الواسع، لم يبق لحزبنا الا ان يحدد موقفه وفقا للآليات الديمقراطية التي يحددها نظامه الداخلي.

ورغم الصلاحيات التي يمنحها هذا النظام للجنة المركزية للحزب، فإنها آثرت تنظيم استفتاء حزبي داخلي، طرحت فيه خيارين للتحالف، الأول في إطار "سائرون" والثاني في إطار"التحالف المدني الديمقراطي". وساهم في الاستفتاء أعضاء اللجنة المركزية ولجان الاختصاص وأعضاء اللجان المحلية والهيئات المسؤولة في تنظيم الخارج وكوادر حزبية. وكانت حصيلة الاستفتاء تأييد أغلبية كبيرة خيار التحالف الوطني الواسع. وذلك ما تجسد من ثم في اعلان تحالف " سائرون " الذي يضم عددا من الاحزاب المتوافقة على برنامج واهداف سياسية، تتلخص عناوينها الرئيسة في الخلاص من المحاصصة، محاربة الفساد، مكافحة الاٍرهاب وحصر السلاح بيد الدولة، ضمان حقوق الانسان، بناء دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية، والعراق الديمقراطي الفيدرالي الموحد. علما ان آليات عمل التحالف تضمن الاستقلال الفكري والسياسي والتنظيمي لاطرافه، وترسم سبل صيانته وتحقيق أهدافه المشتركة.

اننا نرى في " سائرون " مشروعا للتغير والإصلاح والبناء، ينطوي على إمكانية لتحقيق الأهداف التي جرى التوافق عليها، وذلك مرهون طبعا بجملة شروط وضوابط، وبمدى حرص أطرافه على جعله إطار ديناميكيا حيّا، ينبض بالحياة ويوفر فرصا متكافئة للجميع ويضع مصلحة الشعب والوطن فوق اي اعتبار اخر.

لقد توجهنا نحو هذا الخيار ونحن على ثقة عالية بحزبنا وبقدراته ومواقفه، كما اننا تلمسنا المواقف الإيجابية للاطراف المتحالفة معنا. لكننا ندرك في الوقت نفسه ان هذا الخيار ليس سهلاً، وانه يشكل بالنسبة الينا تجربة تحمل سماتها الخاصة، أملتها ظروف بلدنا وتناسب القوى فيه والاهداف التي نسعى الى تحقيقها. وسنحرص على نجاح هذه التجربة عبر المزيد من العمل، وعبر المبادرة الى القيام بنشاطات وفعاليات ملموسة لدعم هذا الخيار.

كذلك نؤكد حرص الحزب الدائم على مواصلة وإدامة علاقاته مع القوى والشخصيات المدنية والديمقراطية وقوى التيار الديمقراطي وأطره، التي نأسف لعدم حصول قناعات لدى بعضها في خوض الانتخابات معاً في إطار " سائرون"، واختارت أطرا انتخابية اخرى. فهناك مساحة واسعة من المشتركات التي نستطيع العمل فيها سوية، وتطويرها بأشكال وصيغ متعددة.

ان ثقتنا بحزبنا ورفاقنا وأصدقائنا وجماهيرنا لا حدود لها. وأننا نتوجه لخوض هذه الانتخابات معا في إطار انتخابي جديد، ذي هوية وطنية مدنية وعابرة للطائفية، من اجل تمثيل يليق بحزبنا وبتحالف " سائرون "، وفي سبيل الخلاص من الفساد ونظام المحاصصة والطائفية السياسية والارهاب، والسير الى امام لتحقيق التغيير المنشود وبناء دولة المواطنة والديمقراطية الحقة والعدالة الاجتماعية.

تنزیل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل