مدارات

قراءة في قانون مؤسسة السجناء السياسيين المعدل

فالح مكطوف
الدلالة الأبرز في شموخ مؤسسة السجناء السياسيين
إن ظهور مؤسسة السجناء السياسيين، وإصدار قانونها بعيد سقوط النظام السابق وفي وقت مبكر نوعا ما، لم تكن مصادفة في كل الأحوال، لاسيما اذا ما تأملنا المعطيات التي حتمت تقييم دور ذلك الصف المضحي من مناضلي العراق، الذي يجلي ويبرز التصور لدى الجميع بان الدليل على ثقل ما يعانيه السجين السياسي الذي بادر الى التضحية من اجل التغيير، وكان سباقا ومتحديا للنظام السابق وجبروته المعروف، واضحا بل لا يحتاج الى دليل، وان عمقه بعمق مطالب الحرية والعدالة التي يسعى اليها الجميع، كما ان ظهور المؤسسة جاء أيضا، ليحمل ازدواجية الهدف والقيمة وكذلك التفسير، فمؤسسة السجناء السياسيين، تشير اولا إلى دلالة المعنى النضالي والبطولي للسجين السياسي في مقارعته للنظام البعثي وهذا المعنى متضمن في كون المجابهة التي اختار السجين السياسي ميدانها في زمن سكت فيه الجميع، لها مدلولها السياسي، الذي يفصح بأن هذه المؤسسة تمثل بحق؛ ذلك الرمز للمقاومة الحقيقية للذين سلكوا الطريق الوعرة هذه، مع علمهم المسبق بمصيرهم ومصير عوائلهم وتبعات اقدامهم على سلوك النضال وبإصرار؛ ضد نظام لا يختلف على مسار بطشه وتنكيله بمعارضيه وبالأبرياء اثنان، وان هذه الدلالة يجب ان تكون لها الاولوية من وجهة نظر اي سجين سياسي ويجب ان تتصاغر امامها جميع الدلالات الأخرى، فالحفاظ على هذه المؤسسة يعني قبل كل شيء ان رقما صعبا في حسابات السياسة في العرق خلال فترتي حكم البعث في 1963 وعام 1968 وما بعدهما وحتى سقوط النظام السابق، يجب الا يلغى او يتم تجاوزه، فالسجين وقضيته يجب ان يكونا حاضرين في ذهن من يحدد سياسة البلد، سواء بقيت اثار النظام البعثي ولم يتم محوها وتجاوزها او تم نسيانها في المستقبل فالموقف لا يرتبط بتلك الآثار وانما بروح التضحية والايثار. اما الدلالة الثانية لمفهوم مؤسسة السجناء السياسيين فتأتي من رغبة المشرع في جعلها احدى مؤسسات التعويض لشريحة السجناء السياسيين وبالتالي فان هذه المؤسسة وبتطبيقها لمقاربة التعويض وكما جاءت تفاصيله ضمن مواد قانونها؛ تعتبر احدى اهم مؤسسات العدالة الانتقالية وذلك لشمولها على طيف واسع من السجناء والمعتقلين السياسيين يصل الى قرابة (80) الفا او يزيد على هذا الرقم، وان سكوت المشرع عن النص صراحة على كون المؤسسة ضمن مؤسسات العدالة الانتقالية لا يعني الا اعراض المشرع عن الإشارة الصريحة إلى العدالة الانتقالية بكليتها باعتبارها حديثة النشأة على الصعيد المفاهيمي والنظري، ولكن بالمقابل نرى ان الوقائع سواء على الصعيد التشريعي او من خلال تنفيذ القانون بكل تفاصيله تدلل على ان المؤسسة لم تعتمد التعويض المادي للفئات المستهدفة كمفردة وحيدة لرسالتها، بل اعتمدت على تطبيق المفهوم الاوسع وهو (جبر الضرر) الذي يتضمن التعويض ايضا على الصعيد المادي والمعنوي فمثلا ذكر القانون مفردات لا تتعلق مباشرة بالتعويض المادي، مثلا العلاج المجاني او السفر إلى الخارج او الدراسة على نفقة المؤسسة وغير ذلك يدخل في خانة جبر الضرر المادي اما جبر الضرر المعنوي فيتمثل بفعاليات المؤسسة بإقامة معارض او مهرجانات او احتفالات لتخليد نضال السجين السياسي او اقامة النصب التي تجسد تضحيات السجين كما نص قانون المؤسسة المرقم (4) لسنة 2006 وتعديله المرقم (35) لسنة 2013. ولكن بالرغم من اعتبار التعويض الاستراتيجية الوحيدة لدى طيف كبير من الاشخاص الذين لا يرون هدفا للمؤسسة غيره ويحصرون عمل المؤسسة به كاستراتيجية وحيدة للمؤسسة تطغى على غيرها من اهداف المؤسسة ويحتجون بان هيكلية المؤسسة اعتمدت على تنفيذ هذا الهدف والدليل ان قانونها حدد بفترة التقاعد (25) سنة كحد اعلى وكذلك يقولون بان وجود المؤسسة مقترن بوجود التعويض، الا ان هذا الرأي لا يمت إلى القيمة المعنوية لمؤسسة السجناء بصلة وان هذا التوجه يمثل الخطأ الكبير الذي لابد من تداركه لان معرفة ان مؤسسة السجناء السياسيين جزء مهم في بناء الدولة العراقية الحديثة يجب ان يكون الهدف لجميع السجناء السياسيين والذي يجب ان يعطى الأولوية على موضوع التعويض، وان التعويض بالرغم من أهميته الكبيرة للفئات المشمولة الا انه يجب ان يتصاغر امام بقاء المؤسسة كركن من اركان الدولة لان تضحيات السجين تفوق بشكل كبير كل المساعي من اجل جعل عمل المؤسسة محصورا بوقت معين، وان تقييد عملها بالتعويض وبمدة زمنية هو فرصة لأعداء السجناء لكي يتمكنوا من اعلان موت نضالنا، الا ان الاجابة على هؤلاء تكمن في ان قضية السجناء لن تموت بتقادم الزمن وخير دليل على ذلك هو ان سجناء عام 1963 انتظروا (50) عاما ليشملهم قانون المؤسسة وترعاهم الدولة وهذه الـ (50) عاما من الانتظار تدلل على بقاء الجانب المعنوي لدى هؤلاء السجناء الذي هو جزء من هدف تأسيس هذه المؤسسة، التي لا ينبغي لها ان تنتهي بانتهاء التعويض للفئات المشمولة وانما لابد ان تبقى بقاء البلد لتذكر الجميع بان التغيير في العراق لم يأت بإرادة اجنبية وانما بتضحيات عشرات الالاف من ابنائه.
نطاق سريان القانون
صدر قانون مؤسسة السجناء السياسيين رقم (4) لسنة 2006 ليعلن عن ولادة مؤسسة غير مرتبطة بوزارة وبالتالي تابعة الى رئاسة الوزراء وبعد ذلك تم تعديل هذا القانون بالقانون رقم (35) لسنة 2013
أ: المواد التي تدخل في اطار القضايا السياسية واسباب تجنب حصرها من قبل المشرع
قبل الشروع في تحديد نطاق سريان قانون المؤسسة لابد من التطرق الى موضوع له صلة كبيرة بتشريع القانون بل ربما يكون هو الذي هدى المشرع إلى التوسع في نطاق الفئات المشمولة بقانون المؤسسة، وهذا الموضوع يتمحور حول تجنب المشرع ذكر المواد القانونية المشمولة بقانون المؤسسة (على سبيل الحصر)، والعلة التي تكمن في عدم الحصر والتحديد تعود من وجهة نظرنا الى اربعة اسباب مهمة وهي: السبب الاول، (ميل المشرع الى عدم تخليد قوانين واحكام محاكم النظام السابق) حيث يفهم من تجاهل المشرع لحصر المواد القانونية أو تسميتها كمواد سياسية مشمولة للمصادقة عليها مع تجنب اضفاء الصفة السياسية عليها، على انه اعطاء مساحة واسعة لمؤسسة السجناء بتركيز النظر على جوهر القضايا السياسية دون الالتفات الى ضرورة وجود نص قانوني كلازمة يجب اعتمادها، كما يفهم ايضا ان المشرع في تشريعه قانون المؤسسة المعدل كان له موقفه الواضح من تشريعات النظام السابق، فعلى سبيل المثال، يمكن للجميع ان يتلمس نظرة النظام السابق الى المواد الماسة بأمن الدولة الخارجي وخاصة المواد (156، 157، 158، 159) التي تشكل اغلبية القضايا المهمة في قسم الاحكام الخاصة في سجن (ابو غريب) ولها اهميتها الخاصة من وجهة نظر النظام السابق واحزاب المعارضة في حينها، فنرى لأول وهلة تصنيف المشرع لتلك المواد ينطوي على استهانة واضحة بالمعارضة السياسية حيث اعتبارها مواد غير سياسية حتى لو ارتكبت بباعث سياسي وهذا ما نصت عليه المادة (21/أ/2) من قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969، اضافة الى ان المحاكم في قراراتها تعتبر الافعال المرتكبة ضمن تلك المواد وما تلاها افعال مخلة بالشرف اسوة بالسرقة والتزوير والاختلاس وهتك العرض، اذاً ما الذي اوحى للمؤسسة بشمول المواد اعلاه وغيرها بالحقوق والامتيازات طالما لم ينص قانونها (اي المؤسسة) على تلك المواد، اضافة الى انها لم ترد في تعليمات معتبرة من اجل العمل بموجبها؟ والجواب بطبيعة الحال يكمن في السبب الاول الذي اشرنا اليه اعلاه وهو مبدأ (عدم تخليد قوانين النظام السابق ولا احكام محاكمه)، لان تخليد النصوص القانونية السابقة والانسياق وراء وضوحها القانوني وصراحتها وفقا لما نص عليه قانون العقوبات؛ واعتبار المواد اعلاه وما تلاها، غير سياسية سوف يقوض عمل المؤسسة ولا يمنحها فرصة واحدة للمصادقة على اي سجين سياسي لان النظام السابق بمنظومته القانونية لم يعتبر تلك المواد سياسية اصلا وبالتالي فان البديل هو ما اعطاه المشرع عند تشريعه لقانون المؤسسة المعدل في ان تكون للجان الخاصة ــ التابعة للمؤسسة والمعنية بالمصادقة على اسماء السجناء والمعتقلين وشمولهم بمزايا قانون المؤسسة ــ توصيفها وفهمها القانوني للأفعال المرتكبة وخصوصا نص المادة (21) من قانون العقوبات وكذلك بعدم الاعتراف بأحكام المحاكم السابقة التي كانت تخضع إلى مزاج رؤسائها وانغماسهم في الاستهتار بحياة الانسان ولاسيما المعارضة حيث كان المبدأ الذي يسير تلك المحاكم هو ان المتهم مجرم حتى لو ثبتت براءته.
السبب الثاني: الذي جعل المشرع يتجنب ذكر المواد المشمولة بقانون المؤسسة على سبيل الحصر، هو ما جاء ضمن تعريف السجين السياسي في المادة (5/ثانيا /د) وبالأخص عبارة (معارضة النظام) وهنا يمكن القول حقا انه في هذه العبارة فقط يكمن جوهر قانون مؤسسة السجناء السياسيين وهي مكملة للسبب الاول فالمعارضة للنظام تمثل (ركن السبب) الذي اعتمدته المحاكم السابقة في احكامها، وينبغي هنا ان نلاحظ بان المشرع في صياغته لقانون المؤسسة وتحديدا في تعريف السجين السياسي نص على ان الحبس او السجن لأسباب سياسية لابد ان يكون بسبب معارضة النظام، وهي عبارة مطلقة والمطلق يجري على اطلاقه، حيث تجنب المشرع ذكر مواد معينة لتأطير الفعل السياسي وذلك لان معارضة النظام متعددة الاوجه فلا يمكن حصرها ولكن يمكن ان يبرز تصنيف ثانوي للفعل السياسي تم العمل على ضوئه للإقرار والمصادقة على المشمولين بقانون المؤسسة، وهذا التصنيف نوعان للأفعال المشمولة بقانون المؤسسة وهما، الفعل الايجابي والفعل السلبي، فالإيجابي وهو الفعل الذي يقدم عليه صاحبه من خلال خيار وقصد واعي وتصميم مسبق من قبل السياسي المعارض للنظام السابق، ففي معظم الاحيان يكون هذا القصد هو البحث عن تغيير النظام السياسي من وجهة نظر الشخص المعني والذي هو واحد من اثنين الاول: من عارض النظام من خلال فعل ثابت وواضح، الثاني: من ساعد ذلك المعارض، وهنا فان قصد المعارضة بيّن لا خلاف عليه بغض النظر عن التصنيف الفكري والأيديولوجي للمعارض نفسه ولكن المهم كما جاء في القانون ان تكون تلك المعارضة بسبب (الرأي او المعتقد او الانتماء السياسي) اما (من ساعد المعارض) فلابد ايضا ان يكون لديه قصد ايضا بتلك المساعدة وهنا فالمشرع ادرك ان تقييد (المعارض أو من ساعده) بمواد قانونية هو اجحاف بحق المعارضين من جهة وتقليل من شأن افعال النظام المرتكبة، ضد الشعب عموما والمعارضة السياسية بشكل خاص من جهة اخرى، اما المشمول بقانون المؤسسة بالفعل السلبي هو من لم يتوفر لديه قصد المعارضة ولكن سياسات النظام ادت الى اعتقاله او سجنه مثل الاعتقالات العشوائية للأكراد الفيلين او تهجير التبعية الايرانية، او حجز الاطفال مع ذويهم او الحجز بسبب التدابير الاحترازية التي كان يلجأ اليها النظام خاصة في مناسبات معينة، او الاقامة الجبرية وغير ذلك، وهؤلاء ليس لديهم باعث سياسي واضح كموضوع من عارض النظام او من ساعده، ولكن القانون شملهم وثبت حقوقهم ويمكن ان نسمي هذا النوع بتسمية (الاعتقالات التعسفية الناتجة عن سياسات النظام السابق) وبالتالي ولتعدد تلك الفئات فان القانون تحاشى ان يذكر مواد معينة على سبيل الحصر وتسميتها كمواد سياسية.
السبب الثالث: الذي جعل المشرع يتجنب حصر المواد هو (عدم امكانية ايجاد مادة قانونية للاعتقال) وهذا السبب يشمل معظم المعتقلين عدا المفرج عنهم لعدم كفاية الادلة حيث يتم تحديد المادة القانونية التي اعتقلوا بسببها ثم يطلق سراحهم لعدم كفاية الادلة وغالبا ما يكون هنالك لدى هؤلاء مقتبس حكم وفقا للمادة 182 من قانون اصول المحاكمات الجزائية، وهنا نرى ان المشرع كان دقيقا في هذا الشأن لان الاعتقال السياسي جاء لأسباب كثيرة وبالتالي فلا يمكن تحديده بمواد معينة خذوا مثلا الحملة التي وقعت في كركوك بما تسمى (بحملة علي حسن المجيد) او الحملات ضد سكان الاهوار او الاعتقالات التي جرت على اثر الانتفاضة عام 1991 وغيرها الكثير، ونلاحظ ان عامل الاشتباه كان هو السبب وراء اعتقال عشرات الالاف
السبب الرابع هو ادراك المشرع المبني على حقيقة (وجود مانع من حصر المواد القانونية) بسبب وجود شريحة عريضة من المتضررين الذين ليس لديهم مواد حكم مثل محتجزي رفحاء والاقامة الجبرية وضحايا حلبجة ممن قصفهم النظام بالكيمياوي والذين لجأوا الى الجمهورية الاسلامية الايرانية وهذه الفئات تشكل نسبة عددية كبيرة.
وملخص القول هو ان قانون مؤسسة السجناء المعدل كسر حاجز تخليد قوانين النظام السابق وخاصة المادة (21/أ/2) من قانون العقوبات التي اعتبرت ان المواد الماسة بأمن الدولة الخارجي غير سياسية حتى لو ارتكبت بباعث سياسي، وكأن قانون المؤسسة اعاد الأشياء الى اصلها واصبحت تلك المواد سياسية خلافا لقانون العقوبات وهذا الامر يفتح الباب امام تفسير الباعث السياسي الحقيقي.
ب: نطاق سريان قانون المؤسسة
يلاحظ ابتداءً ان قانون التعديل لقانون مؤسسة السجناء السياسيين حمل في طياته العديد من التغييرات وعلى اصعدة مختلفة ولكن ابرز ما جاء فيه هو النظرة الشاملة التي تؤكد القراءة الدقيقة التي شدد عليها المشرع العراقي وثبتها في هذا القانون والتي ترتكز على التشريح الدقيق لواقع النظام السابق حيث وسع القانون من نطاق شمول الفئات ووضع ورقة مهمة تحت تصرف المؤسسة ادراكا منه بأنها من اهم مؤسسات ادانة النظام السابق، وهذه هي الرسالة التي لابد لمؤسسة السجناء السياسيين من ادائها، لكي يطلع العالم على مدى اجرام ذلك النظام واستهتاره بالقيم الانسانية وهذا يعتبر مصدر اثراء للمؤسسة التي توجه رسالة إلى الجميع من خلال توثيق جرائم ذلك النظام التي تعددت انواعها؛ وفعلا كان المشرع متيقظا لهذه المسألة، ويمكن ملاحظة ان نطاق سريان قانون المؤسسة جاء في اتجاهين رئيسين الاول هو الاتجاه الافقي والثاني هو الاتجاه العمودي مما يعني ان المشرع في مراجعته قانون رقم (4) لسنة 2006 شعر بضرورة ان يأتي قانون التعديل وهو يحمل في طياته هذين الاتجاهين فالتوسع الافقي تمثل في زيادة عدد الفئات المشمولة بعد ان كانت مقتصرة على السجناء والمعتقلين، اما التوسع العمودي فهو بمثابة التوسع بالحقوق كالزيادة بالراتب التقاعدي وزيادة عدد سنين التقاعد لتصل الى (25) سنة وشمول الذين لديهم فترات قليلة بالتقاعد والاعفاء من المعدل لغرض الدراسة ومساواة حقوق المرأة المعتقلة لأكثر من شهر مع السجناء، والاطفال الذين سجنوا مع ذويهم كسجناء او معتقلين وحسب الاحوال لو كان ذووهم قد سجنوا او اعتقلوا، وهكذا؛ ففي الوقت الذي اقتصر فيه القانون قبل تعديله على شمول شريحتي السجناء والمعتقلين اضاف القانون الحالي العديد من الفئات، وقبل ان نعرج على تلك الفئات علينا ان نوضح ماهية السجين السياسي وفقا لما جاء بقانون التعديل، حيث نلاحظ ابتداءً ان تعريف السجين جاء بعدة شروط تضمنها نص المادة (5/ثانيا/د) منها ان يكون حبسَ او سجنَ داخل العراق او خارجه، ويبدو ان المشرع قدم الحبس على السجن لمراعاة الفترات القصيرة الى حد الخمس سنوات كما ان المشرع كان دقيقا في هذا الامر لأنه لم يعتمد على الاحكام الصادرة بموجب قانون العقوبات المرقم (111) لسنة 1969 والتي معظمها تنطق بالسجن لا الحبس ولكن راعى قوانين عقابية اخرى اعتمد عليها البعث في حقبة استلامه السلطة عام 1963 ، بعدها نص القانون على عبارة من سجن داخل العراق او خارجه وكان المشرع دقيقا حينما شمل المحكوم خارج العراق لان قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969 في المادة (9) قد اشار بوضوح الى اعتبار المواد السياسية التي ترتكب خارج العراق والتي يسميها بالجرائم الماسة بامن الدولة الخارجي والداخلي اعتبرها ضمن الاختصاص العيني لنفاذ القانون متى ما ارتكبت خارج العراق وبهذا فان قانون المؤسسة وسّع من نطاق شموله من الناحية المكانية في حين لم يذكر قانون رقم (4) لسنة 2006 الداخل او الخارج اما الشرط الاخر لتعريف السجين السياسي هو ان يكون صدر بحقه حكم من محكمة والسبب يبقى دائما هو (معارضته للنظام البائد في الرأي او المعتقد او الانتماء السياسي او مساعدة معارضيه...)
ولكن مع ذلك فان المشرع لم يوفق كثيرا بحصر تلك الفئات بمادة واحدة، وهذا خلل بيّن في القانون لذا نرى ان نطاق سريان القانون على اساس شمول الفئات المشمولة بالحقوق جاء من خلال مواد متناثرة، كما سنلاحظ لاحقا من خلال هذه الدراسة، ويبدأ سريان القانون في (5/اولا) من قانون التعديل وهي المادة التي اشارت الى الفئات المشمولة وهم (السجناء، المعتقلين، محتجزي رفحاء) وقد اشار القانون الى معتقلي وسجناء عام 1963 وذلك من خلال الاشارة الى الفترة التي اعقبت استلام البعثيين للسلطة في 8/2/1963، وبالتالي فان من يقرأ هذه المادة يتبين له بان نطاق سريان القانون سوف يكون حصرا بهذه المادة وهذا غير صحيح، ولكن لكي نبلغ الهدف علينا اولا ان نبدأ بالمادة اعلاه التي تضمنت، ثلاث فئات وهم (السجناء، المعتقلين، محتجزي رفحاء) وقد قسم المشرع السجناء والمعتقلين وفقا للنطاق الزمني اي شمول فترتي حكم البعث الاولى وهم سجناء ومعتقلي عام 1963 والثانية وهم سجناء ومعتقلو ما بعد عام 1968 لحين سقوط النظام، ومن الملاحظ ان المشرع في شموله لمعتقلي وسجناء عام 1963 قد وضع المادة السابعة من دستور 2005 والتي اكدت على الا يكون البعث الصدامي ضمن التعددية السياسية، كمرشد له لذا فانه امتد من حيث الزمان الى محاكمة فكر البعث في مراحله الاولى والتي بنيت على الاضطهاد وانتهاك حقوق الانسان وكأن المشرع هنا يريد ايصال رسالة مفادها ان هذا الحزب وهذا الفكر لديه صحيفة اعمال مبنية على الاجرام وهي سابقة تم تكرارها ولم يتم تجاوزها اثناء استيلائه على السلطة عام 1968 وانما اعاد ذات الجريمة وكان اجرامه ضد ضحاياه ممتدا عبر تاريخ توليه الحكم، وحسنا فعل المشرع بالنص على شمول سجناء 1963 وان من الخطأ تبييض صفحة سوداء لهذا الفكر وهذا الحزب وبالتالي فان قانون التعديل جعل من مؤسسة السجناء المسؤولة الاولى عن محاكمة فكر البعث وهذا شرف كبير ان يحاكم السجناء اولئك الطغاة في غير ساحة المحكمة، وهنا يمكن القول ان ما تقدم يعبر عن جزء من الاسباب التي حدت بالمشرع ان ينص على شمول سجناء ومعتقلي عام 1963.
وعودا لنص البند (1) من الفقرة اولا من المادة (5) والذي ينص على سريان القانون من حيث الزمان بان يكون المعتقل او السجين :(( للمدة من 8/2/1963 ولغاية 18/11/1963 وحتى اطلاق سراحه، على الا يكون لديه قيد جنائي)) يتضح ان المشرع لم يكن دقيقا في التحديد وترك النص خاضعا للبحث في المبادئ العامة التي بدورها تخضع للاجتهادات وعدم الاتفاق وترك النهايات مفتوحة لان هذا النص يؤكد على مسألتين الاولى تكمن في عبارة (وحتى اطلاق سراحه) والثانية بعبارة (على الا يكون لديه قيد جنائي) لذا ارى ان نتعمق في قراءة هذه الاشكاليات.
المسألة الاولى: ان العودة الى الفترة التي اعقبت سقوط انقلاب 1963 الذي قام به البعثيون تؤكد صدور سلسلة من قرارات العفو من قبل عبد السلام عارف ويمكن لنا ان نحل اللغز الوارد في العبارة الاولى اذا علمنا بان قرارات العفو تلك لم تشمل من تمت احالتهم الى المحاكم بل شمل الموقوفين فقط وبالتالي فإننا نكون امام فترتين فترة التوقيف التي تنحصر بين 8/2/1963 وبين 18/11/1963 وان الفئة التي تم توقيفهم ضمن هذه الفترة ولم تتم احالتهم الى المحاكم لأسباب عديدة ربما تتعلق بجزء منها بالتحقيق او كثرة اعداد المعتقلين وغيرها من اسباب، اما الفئة الثانية فهم من تمت احالتهم الى المحاكم وتم اصدار احكام بحقهم وينطبق على هؤلاء نص المشرع في عبارة (وحتى اطلاق سراحهم) وهؤلاء هم السجناء
المسألة الثانية: هي وجود القيد الجنائي وهذه المسألة اكثر تعقيدا من الاولى لان المشرع وقع في تناقض اذ افترض ابتداءً وجود اضطهاد سياسي وقع على اساسه الاعتقال ثم صدور احكام، وهذه الفرضية الواقعية طبعا غير مرتبطة بتاتا بوجود قيد جنائي فلا يوجد تزامن اطلاقا بين الحالتين والسبب يكمن على الاقل في ان اللجان الخاصة الحالية تفرز بين القضية السياسية والجنائية اذا لم يكن تداخل يثير الشك من حيث الفترة الزمنية وتتم المصادقة على القضية السياسية وترك القضية الجنائية على اعتبار ان لكل قضية ظرفها الخاص بها مثل قضية التنظيم وتجاوز الحدود او التنظيم وتزوير اوراق للتخفي كالإجازة العسكرية او دفتر الخدمة ...الخ وبالتالي فان هذه العبارة تبدو مقحمة على النص لأنها غير فعّالة بأية حال.
نستنتج مما تقدم النتائج التالية
1. ان معتقلي 1963 هم من اعتقلوا بين الفترة الواقعة من (8/2/1963 لغاية 18/11/1963) واطلق سراحهم دون ان تصدر بحقهم احكام ودون ان يحالوا الى محاكم ومن ضمنهم من شملتهم قرارات العفو الصادر في زمن عبد السلام محمد عارف
2. سجناء 1963 هم من صدرت بحقهم احكام من المجلس العرفي او غيره من المحاكم واطلق سراحهم بعد انتهاء فترة حكمهم التي قد تمتد الى سنوات عديدة وهم يستحقون حقوق السجين السياسي لغاية اطلاق سراحهم
3ـ ان العبارة الخاصة بالقيد الجنائي هي عبارة مقحمة على النص ولا يمكن ان نجد لها تجسيدا ماديا او دلالة معينة لكي تأخذ طريقها للتطبيق

مدارات