مدارات

في "الثقافة الجديدة": قراءة في المقاربات النظرية الحديثة للأمة والنزعة القومية

د. سوران قحطان
المقدمة
منذ ثمانينيات القرن العشرين عاد النقاش والجدل الاكاديمي حول الأمة والنزعة القومية ليرتقي الى مستوى اعلى، ودشنت الادبيات العلمية حولها مرحلة اكثر نضجا. وجاء ذلك كله في محاولة لتفسير جملة من الظواهر برزت في العقدين الاخيرين من القرن المنصرم وبدت متناقضة؛ ففي ذات اللحظة الفارقة التي بدأت بها منظمات بالغة القدرة، جامعة وعابرة للقوميات بل وحتى للقارات ومعها شركات ضخمة متعدية للقومية وتساندها شبكة واسعة الانتشار للتواصل ولتكنولوجيا الاتصالات بالتعدي على سيادة الدول والثقافات؛ وفي ذات الفترة التي اعلنت فيها الليبرالية الجديدة الاولوية المطلقة للسوق الممتلكة قدرة اختزال كل الصراعات ومنها القومية الى مجرد منافسة اقتصادية. في هذه الفترة بالذات بدأت اقاليم وإثنيات وأمم كانت قد استقرت في اطار دول قائمة منذ فترة طويلة تطالب باستقلال ذاتي او استقلال كامل. وفي ذات الوقت امتلكت حركات قومية كانت تعاني من الانكماش والتراجع زخما جديدا بل ورفعت سقف مطالبها القومية. وفي البلدان التابعة التي انجزت فيها النزعة القومية العمل التحرري ومن ثم بدا انها غادرت التاريخ، انفجرت فيها وفي ما بينها مع بداية التسعينيات - وما قبلها قليلا - صراعات قومية وإثنية تعود الى بقايا موروثة من الحقبة الاستعمارية وما قبلها.
اذا كانت الدراسات الاكاديمية لموضوعة الأمة والنزعة القومية قد انطلقت فعليا في القرن العشرين. لكن القومية بوصفها ايديولوجيا وتنظيرا لحركات سياسية واجتماعية كانت حاضرة وينظر لها منذ القرن الثامن عشر تقريبا. وقد تناولها الكثير من الفلاسفة والمفكرين والمؤرخين وقد خلقت افكارهم الكثير من النظريات والمجادلات والخطابات للأجيال اللاحقة من المفكرين. لكن ما تتميز به الدراسات الاكاديمية والنظرية الحديثة لموضوعة الأمة والنزعة القومية خصوصا في العشرين سنة الاخيرة، انها لا تبدأ من اسئلة بسيطة كسؤال رينان المباشر "ما الأمة؟" والذي يتضمن وجودا مفروغا منه للأمة سواء كان موضوعيا او ذاتيا، وانما منطلق هذه المقاربات أبستيمولوجي تحليلي او وظيفي. فهي تثير سلسلة من التساؤلات المركبة والمترابطة: هل الأمة والنزعة القومية قضايا بديهية مسلم بها؟ وهل هي كينونات موضوعية أم زائفة متخيلة؟ كيف نشأت المفاهيم والمقولات وكيف تطورت؟ وكيف تشكل حقلها العلمي او العلموي/ الايديولوجي؟ وهل اصبحت مفاهيم مفروغا منها، وتم تحديد اطارها ونطاق عملها؟
اكاديميا لا توجد تعاريف متفق عليها للمفاهيم الاساسية، فلا توافق حول ما هي الأمة وما هي النزعة القومية او الانتماء القومي. ثم ان الاختلاف لا ينعكس في المفاهيم فقط وانما في المنطلقات ايضا. فبينما ينطلق بعض المفكرين من الأمة لتفسير النزعة القومية، يبدأ آخرون من النزعة القومية. كما أننا نجد بعض المفكرين يعتقدون انه وبسبب طبيعتها، لا يمكن اصلا الوصول الى اتفاق حول الأمة، النزعة القومية وما يرتبط بها من مفاهيم. وبالنسبة الى مفكرين آخرين فإن هذه المفاهيم تتأصل على المستوى النظري وفق المنهج المحدد الخاص بالباحث فقط ولا علاقة لها بالواقع وانما هي نماذج Models تستخدم للتحليل. وأخيرا فإن بعض الباحثين يعتقدون أن (الأمة والنزعة القومية) تمثل مصطلحات للممارسة والتطبيق، بل وأكثر هي مجرد مفردات للخطاب المستخدم في خضم السياسة ولا تستخدم من اجل تحليل ودراسة الظواهر الاجتماعية.
ان ظواهر مثل الأمة والنزعة القومية لا يمكن ان تدرس بمعزل عن علاقتها بالدولة. بل ان هناك الكثير من المعاناة وخلط وعدم تمييز حقيقي ومصطنع بين الدولة القوميةnational state والدولة – الأمة State -nation وعند بعض المفكرين هناك نوع من انواع التضايف بل وحتى الترادف بين الدولة والأمة، سواء كانت الدولة واقعة و/ او دولة ممكنة. وما القومية - كحركة سياسية اجتماعية ايديولوجية - إلا وسيلة او أداة من اجل تدعيم أو إعادة انشاء دولة قائمة بالفعل أو لإقامة الدولة الحلم. وبالنسبة للبعض الآخر لا وجود للأمة إلا حين يكون للدولة سلطان اداري فعلي وواقعي، موحد على الاقليم الذي تدعي عليه السيادة. وهذا الرأي يتضمن تلازما وتمازجا بل وحتى تجانس "الثقافي" بــ "السياسي". فتعبيرا الدولة القومية والدولة - الأمة يتضمنان الى حد ما تماهيا لثقافة الشعب مع سلطة الدولة التي تحكمه ومؤسساتها. والتجانس يكون بحيازته هوية لغوية، دينية ورمزية مشتركة او على الاقل متقاربة.
وكذلك لا يمكن انجاز فهم علمي للأمة والنزعة القومية دون انجاز مهمة تدقيق عدد من المفاهيم والمصطلحات، بالأخص منها: العرق والاثنية. فالمصطلحان يستخدمان ايديولوجيا وحتى نظريا في محاولة لإيجاد تفسير نظري لقضايا قومية. وهناك خلط في الاستخدام المترادف، نظريا وعمليا، للمصطلحين كمفاهيم لتوصيف التنوع. لن ندخل في نقاش حول المفهوم العلمي للعرق او الاثنية ولا حول الفرق بينهما، فهذا خارج نطاق هذا البحث، لكن يجب التأكيد على ضرورة تحديد العلاقة وآليات الارتباط - إن وجدت - بين العرق والاثنية من جهة، وبينهما وبين الأمة ونشوئها من جهة أخرى، وكيف تستعمل هذه المفاهيم في المقاربات النظرية لموضوعة الأمة والنزعة القومية. بمعنى آخر هل يرتبط بتكوين الأمة البايولوجي أو الاجتماعي الثقافي؟
وعند دراسة وتحليل الأمة والنزعة القومية يجب ان لا يتم التعامل مع المفاهيم والأفكار والنظريات كأنها ناجزة ومطلقة. فخطاب القومية الايديولوجي المسيطر بمقولاته السائدة غالبا ما يؤطر فهمنا ويقولب افكارنا، بل ويسعى الى تشويش رؤيتنا وتعمية بصرنا. فالقومية تشكل مثل أفق الخطاب السائد محليا ودوليا، بل وتمثل اطارا طبيعيا للتفاعل السياسي، وهي ايضا تبني الحياة اليومية للسكان وطريقة ادراكهم للواقع المحيط بهم وكيف يفسرونه. بل هي تشكل المنظور التحليلي للتقاليد الاكاديمية المتبعة. فهناك نزعة سائدة كما يلاحظ اوموت اوزكيرملي لمساواة او حتى مماهاة المجتمع بالأمة تفرض انها شكل طبيعي وضروري، بل ونضيف انه وحيد للمجتمع في العصر الحديث.
إن التجليات الرئيسية للحركات القومية وما ترابط معها من تنظيرات ايديولوجية يمكن ان توجز بالتصنيف الآتي:
اولا، الشكل التقليدي في عملية بناء الدول الحديثة في ما يسمى "الغرب" اي الدول الرأسمالية الأولى، وهذه العملية استمرت وصولا الى فترة طويلة من القرن التاسع عشر. والعلاقة التفاعلية حول الأولوية التاريخية بين الظواهر الثلاث (الدولة، الأمة، النزعة القومية) كانت معقدة وجرى عدد من محاولات تنميطها/ نمذجتها.
ثانيا، حركات التحرر الوطني التي استهدفت تدمير الامبراطوريات الاستعمارية في القرن العشرين و/ أو كانت وسيلة مهمة في بناء الدولة الحديثة والتخلص من التبعية في المرحلة ما بعد الاستعمارية.
ثالثا، مرحلة التمجيد المشوه للعرق والقومية من خلال نظم الفاشية والنازية في القرن العشرين.
رابعا، النزعة القومية مع بداية انهيار النظام الاشتراكي وما بعدها (الحل السلمي جيك – سلوفاكيا، الحل الدموي - يوغسلافيا وتفككها، مشكلة ناكورني غارباغ والقرم وغيرها(.
وخامسا واخيرا، النزعة القومية الحديثة في الدول الرأسمالية المتقدمة في القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين: ويلز، اسكتلاندا، الحركات الكونفدرالية في الولايات المتحدة... الخ.
واذا كنا الى حد كبير نستطيع من خلال التصنيف السابق ان نشمل الى حد كبير في التصنيف السباق على كل الحركات القومية السياسية والاجتماعية منذ القرن الثامن عشر ولحد الان، فإننا بحاجة ايضا الى تصنيف جديد لأبرز المقاربات النظرية وبالأخص الاكاديمية منها. وهناك العديد من محولات التصنيف هذه، لكن من اشهرها التصنيف الثلاثي بتلاوينه الداخلية على معيار: قِدم أم حداثة ظاهرتي الأمة والنزعة القومية. ان هذا التصنيف وإن عدّه بعض المنظرين اعتباطيا وغير متفق عليه، يعتبر اشهر تصنيف. وابرز من ساعد على نشر هذا التصنيف هو (انتوني سمث) وربما يكون من ابتكاره حسب (اوزكيرملي).
اولا: الأصلية أو البدائية (Primordial)
تعبير البدائية او الاصلية شامل، ويستخدم لوصف كل النظريات والمقاربات التي تعتقد ان الأمة والصفات القومية مكون اصلي من المكونات الطبيعية للبشر أو على الاقل الاعتقاد انها قديمة ومتواترة. وانها شكل من اشكال الروابط البشرية، معروف ومحدد تاريخيا و أنثروبولوجيا، ويمكن العثور عليه في كل مكان وعلى مدى التاريخ. وهي تنطلق ايضا من كون العلاقات القومية روابط أصيلة جوهرية غير مستمدة من مصدر آخر، وهي تسبق التفاعلات الاجتماعية الأخرى وان تأثرت بها. وهذه الروابط تنتقل من جيل الى آخر دون ان تغير من سماتها الاساسية وصفاتها الجوهرية.
وبالنسبة للبدائية، الأمة خالدة ولم تتغير ولن تتغير، وجدت منذ الازل وفي كل العصور. وهي قد تختفي مؤقتا لأي ظرف كان، لكن الأمة نفسها كلية الوجود ومتكررة بوصفها شكلا من اشكال الهوية. الأمة والقومية صفتان متأصلتان في الحالة البشرية: فللإنسان أمة وقومية كما له عين واذن وللإنسان أمة وقومية كما له أم وأب وعائلة. والبشر ليسوا بشرا إلا بانتمائهم الى أمة ما. وهم مقسمون الى امم، تتميز بسمات وخصائص ويمكن تحديدها - اي الأمة – موضوعيا.
والامة مستودع السيادة والكرامة ومصدر السلطة والشرعية والواجب تجاهها يجب كل واجب. وهي قديمة وذات تاريخ فريد ومصير متفرد وثقافة عليا. ولها عصر ذهبي وحقب تراجع وسبات مقدر لها ان تستيقظ منها. ولكل امة بطل فحل وقائد مغوار، ينبعث لإيقاظها ويقضي على اعدائها وينهي حقب الانحطاط.
وعموما فإن هذه المقاربة تمثل رأي السياسيين القوميين وأيديولوجيي القومية. وعلى اساسها تقوم كل السرديات القومية الكبرى التي وضعها منظرو الفكر القومي السياسي. وهي تمثل ايضا رأي الناس العاديين انفسهم. وقد ظلت نسقا مهيمنا في اوساط علماء الاجتماع والمؤرخين والمفكرين. والى الآن يظهر العديد من الاكاديميين مبشرين بها. وعلى الرغم من الاختلاف والتباين في رؤاهم، يجمعهم قاسم مشترك واحد هو الايمان بقدم الأمة أو كونها جزءا طبيعيا مكونا للبشر. بل ان عددا غير قليل منهم يعتقد ان النزعة القومية نفسها طبيعية وقديمة، قِدم الأمة.
ينطلق عدد من الاكاديميين من اسس بايولوجية و/أو اجتماعية لتفسير الترابط بين العرق والإثنية من جهة، وبين الأمة والقومية. فهذه الجماعات ومنها الأمة ليست سوى شكل موسع لقرابة الدم. وكلها تتميز بالانحدار من أصل مشترك ونسل وحد ويحافظ عليها بالتناسل ضمن نفس الزمرة. فالأعراق والإثنيات والأمم هي عائلات كبرى من الافراد الحقيقيين والمفترضين الذين يميلون الى التزاوج في ما بينهم. والأمة لدى البعض ليست إلا اثنية وعت نفسها سياسيا. فالأمة مجتمع اكثر وعيا بالذات، وتمتلك أو تدعي امتلاك الحق: في هوية سياسية وفي الاستقلال وفي ارض محددة. والبعض الاخر من المنظرين من يحدد الروابط الطبيعية لتكوين الأمة بكونها روحية وليست اجتماعية أو بايولوجية. وهي تتعلق بالعواطف والشعور، وهي عواطف ومشاعر تنأى عن الوصف وهي قاهرة واكراهية وغير قابلة للتحليل.
ثانيا/ الحداثة
القاسم المشترك في هذه المقاربة هو الاعتقاد بحداثة (الأمة والنزعة القومية). فهي تعد ظواهر فتية لا يزيد عمرها على عدة قرون. وقد اصبحت ضرورة اجتماعيا في العالم الحديث فقط. ولم يكن لها مكان في الحقبة ما قبل الحديثة، فالأمة والقومية نشأت في القرنين الاخيرين وهما نتاج انساق حديثة مثل: الرأسمالية، التصنيع، التمدن، العلمانية والدولة البيروقراطية الحديثة. والامم حديثة ليس بمعنى جدتها فقط وانما بكونها اصبحت ضرورة اجتماعية في العالم الحديث، وانه لم يكن ثمة مكان للأمة والقومية في الحقبة ما قبل الحديثة. فالأمم والقومية ظاهرتان متأصلتان جوهريا في العالم الحديث. وعموما يتخذ الحداثيون منحى نقديا تهكميا لاذعا بل وحتى عدائي تجاه الخطابات القومية السياسية الايديولوجية، وأيضا تجاه المقاربة البدائية لتفسير الأمة والنزعة القومية.
من ابرز ممثلي هذه المقاربة:
ارنست غيلنر (1929-1995)
تعتبر مساهمته اهم محاولة لدراسة موضوعة الأمة والنزعة القومية وأقر بأصالتها حتى اشد منتقديه حماسة، مع ملاحظة انه طوّر وغيّر من افكاره عبر كتبه المختلفة و بالأخص منها: الأفكار والتغيير، الأمة والنزعة القومية.
الأمم بوصفها سمة طبيعية وربانية لتصنيف البشر، ومصيرا سياسيا متأصلا في حياة الجماعة السكانية مع انه متأخر مجرد اسطورة؛ بينما النزعة القومية التي تأخذ ثقافات موجودة مسبقا وتحولها الى أمم وتخترع وتلغي ثقافات من اجل هذا، لذلك فهي حقيقية ويتعذر النجاة من أسارها. باختصار، الامم لا تصنع الدول والقوميات بل العكس هو الصحيح. وعرف (غيلنر) النزعة القومية بانها: "مبدأ يؤمن بأن الوحدة السياسية والقومية يجب ان تكون منسجمة ومتطابقة". وباختصار تعد القومية عند (غيلنر) نتاجا للتصنيع ولتنظيمه الاجتماعي.
يفسر (غيلنر) غياب الأمم والنزعة القومية عن المجتمعات قبل الحديثة (المجتمعات الزراعية) عبر تحديد العلاقة بين السلطة والثقافة. فهما لا ينزعان الى الاجتماع معا. ففي هذه المجتمعات الزراعية لا وجود لتجانس ثقافي. ولا تعد الثقافة ضرورية للحفاظ على النظام الاجتماعي. وهي لا تؤثر على العلاقات القائمة وان عملت ثقافة الطبقات الحاكمة على تأبيد النظام. بينما المجتمعات الصناعية الحديثة فان العلاقة مختلفة تماما؛ ففيها تنتشر ثقافة عليا مشتركة تحدده وتعرفه، فتكون بحاجة الى الدوام عبر كيان سياسي. وفي هذه تصبح الثقافة مهمة بحد ذاتها، فهي لا تؤكد البنية الاجتماعية بل تحل محلها. ان الطريقة الوحيدة التي يمكن عبرها لثقافة معينة ان تحمي نفسها من أخريات وبالأخص تلك التي تملك دولا هي اقامة و/او تقوية دولتها الخاصة.
بندكت اندرسن (1936-2015(
نشر (اندرسن) كتابه "الجماعات المتخيلة" سنة 1983 وأثار هذا الكتاب، وما يزال، العديد من النقاشات. واعتبر فيه الأمة والقومية منتجات طبيعية ثقافية من نوع خاص. فقد عرف الأمة بأنها: "جماعة سياسية متخيلة، متخيلة بوصفها محددة ومستقلة جوهريا". والتخيل عن (اندرسن) لا يتضمن في دلالته التزييف. وهو يوضح هذا عندما يتهم (غيلنر) بعدم التفريق ما بين الابتكار والتلفيق والتزوير وبين التخيل والابداع.
والأمة جماعة متخيلة: لأن افراد حتى اصغر الأمم لن يعرفوا أبدا اخوانهم ولن يقابلوهم أو حتى يسمعوا بهم لكن تعيش في اذهانهم صورة وحدتهم وتعاطفهم وعلاقتهم الوثيقة. وهذا بعكس الجماعات التقليدية (القرية، الحي، العشيرة... الخ). وكذلك لأنها بوصفها جماعة متساوية دوما لأنه وبغض النظر عن حجم اللامساواة والاستغلال فيها تعبر دوما عن العلاقات الرفاقية الأفقية العميقة. وهذا الشعور بالأخوة والمساواة هو الذي يجعل الملايين من البشر يضحون بحياتهم في سبيل أمتهم. وايضا بوصفها محددا، لان لكل أمة حدودا ثابتة ومعينة ودائمة تفصلها عن أمم اخرى.
عند اندرسن لا ترصف القومية مع الأيديولوجيات السياسية المصنفة بصورة واعية، وانما مع الانظمة الثقافية الكثيرة السابقة عليها، والتي خرجت من رحمها وكانت ردا عليها مثل الجماعات الدينية او الجماعات القرابية.
بالنسبة لاندرسن فإن اللغات المطبوعة وضعت الاسس اللازمة للوعي القومي عبر:
اولا اوجدت مجالات للتواصل والاتصال فوق مستوى اللغات المحلية المحكية.
ثانيا منحت الطباعة ثباتا للغة ساعد في بناء صور ذهنية للقدماء ادت دورا محوريا في بناء الأمة، ثالثا اوجدت الطباعة الرأسمالية لغات سلطة من نوع مختلف عن اللغات المحلية الادارية السابقة.
وباختصار، ان ما جعل الأمة قابلة للتخيل هو: "تفاعل شبه اعتباطي لكن متفجر بين نظام انتاج وعلاقات (رأسمالية ) وتقانة اتصالات (طباعة)، وحتمية التنوع الانساني".
ميروسلاف روش ( 1932)
يعتبر (روش) أول من استخدم المناهج المقارنة في دراسة وفي التنظير للحركات القومية، محاولا اظهار أهميتها في وقت لم يكن من الشائع استخدامها. وركز في مؤلفاته ايضا على ذكر امثلة توضيحية تفصيلية عن كل ما يقدمه من افكار كتبها حول الموضوع:
(1) الشروط الاجتماعية للانبعاث القومي في اوربا.
(2) انبعاث الامم الاوربية الصغيرة: امم شمال اوربا وغربها.
وقد ربط (روش) تشكيل الامم الحديثة بعمليات التحولات الاجتماعية الكبرى بدون التشديد على جانب واحد. من ابرز هذه التحولات: الرأسمالية وانتشارها، الحراك الاجتماعي والجغرافي، تطور وسائل الاتصالات وانتشار التعليم.
الحركة الوطنية عند (روش) تترادف الى حد بعيد مع مسيرة تشكل الأمة. وهو يعرّف الحركة الوطنية بكونها: "المساعي المنظمة لتحقيق كل السمات والملامح لأمة كاملة النضج". والميل لإطلاق مصطلح "القومية" عليها يؤدي الى تشوش خطير. فالقومية شيء آخر: "هي النظرة التي تعطي اولوية مطلقة لقيم الأمة على القيم والمصالح الاخرى كلها فهي ليست سوى شكل من الاشكال الكثيرة للوعي الوطني، والتي تظهر في مسار هذه الحركات".
هناك ثلاثة مصادر مهمة عند (روش) من إرث الماضي، يمكن ان تسهل ظهور الحركة الوطنية، اي مسيرة تشكل الأمة:
1- الآثار الباقية من استقلال سياسي ذاتي أو كامل سابق.
2- ذكرى استقلال سابق او دولة من الماضي.
3- الاثر الحاسم لوجود لغة مكتوبة قديمة.
وابرز مساهمات روش هي نظرية المراحل الثلاث. فقد ميّز بين ثلاث مراحل بنيوية خلال عملية تكون الأمة:
المرحلة (أ) : نخبة من الاكاديميين والعلماء والمفكرين يلتزمون بالتقصي العلمي عن السمات والخصائص القومية والتاريخية والثقافية لجماعة اثنية محددة، بدون اللجوء الى صياغة اهداف سياسية او اللجوء الى التهييج السياسي.
المرحلة (ب): بروز مجموعة جديدة من الناشطين، سياسيين غالبا من الذين عزموا على التأثير بأكبر عدد ممكن من الانصار من اجل ضمهم الى جماعتهم للشروع في تكوين أمة.
المرحلة (ج): تتشكل فيها حركة اجتماعية واسعة وفي نفس الوقت يصبح الوعي الوطني اهتماما يشغل اغلبية السكان. وفي هذه المرحلة وحسب الممكن يتم تشكيل بنية اجتماعية متكاملة. ويمكن الوصول الى هذه المرحلة بسرعة اذا اتصلت اجراءات الناشطين والمحرضين بالحاجات الملحة والتطلعات المباشرة لأغلبية افراد الاثنية.
بالنسبة لروش فإن اهم معيار للمقارنة بين الحركات الوطنية هو الانتقال الى المرحلة (ب) وثم الانتقال الى المرحلة (ج). وحدد من خلالها اربعة انماط رئيسية للحركات الوطنية (لن ندخل في التفاصيل).
ايريك هوبزباوبم (1917-2012)
كان تفسير الأمة والنزعة القومية جزءا من المشروع الكبير لهوبزباوم في دراسة التاريخ. وقد تناول الموضوع في كتاباته: اختراع التراث الذي حرره مع رينجر واطلق عنوان مقالته في على كل الكتاب: الأمة والنزعة القومية منذ 1780: البرنامج والاسطورة والواقع. كما انه تطرق للموضوع في رباعيته الشهيرة: عصر الثورة، عصر رأس المال، عصر الإمبراطورية، وعصر التطرفات. ودخل في جدال كبير مع عدد من ممثلي المقاربة البدائية التي تدعي قدم واصالة الأمة والنزعة القومية.
يؤكد (هوبزباوم) ان الأمم تنتمي الى حقبة خاصة وحديثة تاريخيا. وقبل نهوض الدول الحديثة لا معنى للكلام عن أمم. فلا يمكن ان توجد الأمم إلا في سياق مرحلة معينة من التطور الثقافي والاقتصادي. ويتفق هوبزباوم مع تعريفات (غيلنر) للامة والقومية. فالأمم لا تصنع القوميات والدول بل العكس هو الصحيح. والنزعة القومية هي التي تأخذ ارهاصات ثقافية موجودة مسبقا وتخترع او تلغي اخرى في سبيل تحويلها الى امم. وهو يقدم تفسيرا لما يسمى ارهاصات ظهور القومية: اللغة، الثقافة، التقاليد... الخ. فالأمة ترسخ الاستمرارية مع ماض مناسب وكانت هذه الاستمرارية متخيلة في الغالب. ومن ثم هي تستخدم التاريخ لشرعنة العمل والنشاط ولدعم اللحمة الجامعة.
سلط (هوبزباوم) الضوء على الدور الكبير للتحولات السياسية في فهم الأمة والقومية. واعتبر الأمة والقومية نتاجا للهندسة الاجتماعية. وأهم عنصر في عملية تشكيل الأمم والقوميات هو حالة اختراع التراث والتقاليد. والأمة هي الظاهرة الاكثر شيوعا من هذه التقاليد المخترعة. والمقصود باختراع التراث "جملة من الممارسات المحكومة علنيا او ضمنيا بقواعد وقوانين مقبولة ومن طبيعة شعائرية أو رمزية تسعى الى غرس قيم ومعايير سلوكية معينة عبر التكرار الذي يتضمن آليا الاستمرارية مع الماضي". هناك عمليتان من اختراع التراث: تعديل التقاليد والمؤسسات القديمة لتلائم المؤسسات، والوضع الجديد والابتكار المتعمد لتقاليد تراثية جديدة، ولأغراض جديدة تماما.
بالنسبة لهوبزباوم فإن اختراع التراث يعتبر بمثابة الاستراتيجية التي لجأت اليها النخب الحاكمة لمواجهة التهديد القادم من الديمقراطية الجماهيرية. وخصّ في الاهمية الاختراعات الثلاث: التعليم، ابتكار المراسم الشعائرية، انتاج النصب التذكارية العامة. ولان ما يكوّن الأمة الحديثة دائما ما يكون مكونا من مثل هذه البنى الذهنية المركبة والمرتبطة بالرموز الملائمة، فانه لا يمكن للظاهرة القومية والأمة ان تحظى بما يكفي من البحث دون التركيز على ظاهرة اختراع التراث.
ثالثا/ الإثنية – الرمزية
اذا كانت الحداثة كمقاربة نظرية لموضوعة الأمة والقومية انبثقت من النقد الحداثي للبدائية فإن الإثنية – الرمزية كمقاربة انطلقت من نقدها المنظور الحداثي للامة والقومية. ويعد انتوني سمث (1939) ابرز ممثلي هذه المقاربة. ويعتبر ايضا أبرز من ساعد على نشر التصنيف الثلاثي للمقاربات ان لم يكن قد ابتكره. هناك تعريف يبسط هذه المقاربة الى حد ما: الأمم بهذا الشكل أو ذاك وجدت على مر العصور، بينما النزعة القومية باعتبارها ايديولوجيا تمثل حركة سياسية واجتماعية حديثة، وإن وجدت بعض اشكال الفكر القومي في العصور ما قبل الحديثة. وبهذا فإن المقاربة الإثنية - الرمزية لا توافق على الاستمرارية المطلقة لبعض دعاة المقاربة البدائية وتعطي مساحة للتحولات، فإنها ترفض من جهة أخرى المنطلق الحداثي حول الانقطاع بين الحقب التقليدية الزراعية والحديثة الصناعية.
بالنسبة لسمث فإن المشكلة الرئيسية هي عدم وجود تعاريف واضحة للمفاهيم المفتاحية وبالأخص الأمة و النزعة القومية. فمثلا بعض مفكري المقاربة القومية يقدمون تعريفا لنوع محدد من الامم وهي الامم الحديثة لا تعريفا عاما للأمة بحد ذاتها. بينما الأولوية هي لتعريف شامل ونمطي للأمة يطبق في جميع الازمنة ولجميع المناطق الجغرافية يمكن ان يستخدم لأغراض التحليل.
يعرف سمث الأمة بأنه: "مجموعة من السكان لهم اسم ويتقاسمون منطقة تاريخية واساطير مشتركة وذكريات تاريخية وثقافة جماهيرية عمومية واقتصادا مشتركا وحقوقا وواجبات للأعضاء جميعا". و نلاحظ ان هذا التعريف شبيه الى حد كبير بالتعاريف التقليدية التي يستخدمها السياسيون القوميون. ويحب ان نلاحظ انه عدل افكاره وتعديله للأمة لتكون اكثر عملية واجرائية ولتكون مرتكزة بصورة اكبر على الجانب الذاتي للأساطير والرموز المقدسة على حساب العوامل الموضوعية مثل الاقتصاد. أما القومية فقد عرفها بكونها: "حركة ايديولوجية للحصول على الاستقلال الذاتي والوحدة والهوية والحفاظ عليها كلها باسم السكان الذين يعتقد بعض افرادهم انهم يكونون أمة فعلية او محتملة".
ويركز سمث كثيرا على دراسة الاثنيات وعلى كيفية وما هي الآليات التي تحولها الى أمم حديثة. ويلاحظ سمث ان معظم الأمم المتأخرة اقيمت حول إثنية مهيمنة ضمت او جذبت إثنيات صغيرة او مجتمعات محلية الى الدولة التي اسستها واعطتها اسما وشخصية ثقافية. وايضا حسب ما يلاحظ سمث هناك حالات من أمم حديثة لم تتشكل من قبل سوابق اثنية وضمنت البقاء والوحدة والتلاحم عبر تلفيق اسطورة متماسكة ورمزية ومهيمنة.
يقول سمث عن المقاربة الاثنية الرمزية: "انها تختلف عن المقاربات الاخرى في التشديد على اهمية العوامل الذاتية في فهمنا للجماعات الاثنية والامم وذلك عبر الثقل الذي تعطيه للثقافات والممارسات الشعبية وكيف تضع الحدود لإفهام استراتيجياتها". فهذه المقاربة تشدد على دور الاساطير والرموز والذكريات والقيم والتقاليد في تشكيل الإثنية وبالتالي الأمة والقومية. وهي تركز على الدور المهم للإثنيات في تشكيل الامم الحديثة. فلا يمكن فهم الأمة إلا من خلال اسلافهم الاثنيين ونهوض الاولى لا يمكن فهمه إلا من خلال السياق الاوسع للأثنية بل ان الاختلاف بين الأمم والإثنيات هو اختلاف في الدرجة لا في النوع. وهي من خلال تركيزها على دور ذكريات العصور الذهبية واساطير الاصول وإجلال الابطال والأسلاف واحترامهم تؤكد على أهمية عوامل الاستمرار والتكرار والضم والنماذج المختلفة لربط الحاضر بالماضي ووصله بالمستقبل.
المصادر
باللغة العربية :
• اندرسن، بندكت، الجماعات المتخيلة – تأملات في اصل القومية و انتشارها؛ ت: ثائر ديب، المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات، بيروت ؛ ط1 ؛ 2014.
• اوزكيرملي، اوموت، نظريات القومية مقدمة نقدية، ت: معين الامام، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، ط1، 2013.
• عبد الجبار، فالح (اعده للنشر)، القومية: مرض العصر ام خلاصه؟، دار الساقي، بيروت، ط1، 1995.
• غيلنر، ارنست، الامم والقومية، ت: مجيد راضي؛ دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، ط1، 1999.
• كرون، ماك كرون، علم اجتماع القومية، ت: سامي خشبة، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط1، 2007.
• هوبزباوم ، اريك، الامم والنزعة القومية منذ 1870، ت: عدنان حسن؛ دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، ط1، 1999.
باللغة الانكليزية:
• Benner, Erica; Really Existing nationalism: a post-communist views from Marx and Engels; Clarendon Press Publication; Oxford;1995.
• Hroch, Miroslav; Social preconditions of National Revival in Europe; translate to English: Ben Fowkes; Cambridge university press; 1 ed. , 1985.
• Munck, Ronaldo; The Difficult Dialogue: Marxism and Nationalism; Zed Books Ltd; UK;1986.
• Munck, Ronaldo; Marxism @ 2000: Late Marxist Perspectives; Macmillan Press Ltd; GB; 2000.
• Rosdolsky, Roman; Engels and the 'Nonhistoric' Peoples: the National Question in the Revolution of 1848. Glasgow: Critique books, 1987.
• Smith, Anthony D.:Nationalism and Modernism; Routledge; London; 1ed. ; 1998.
• Smith, Anthony D.:Ethno-symbolism and Nationalism; Routledge; London; 1ed. ; 2009.
• Spencer, Philip & Wollman, Howard; Nation and nationalism a reader ; Rutgers University press; New Jersey; 1 ed.; 2005.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجلة "الثقافة الجديدة"
العدد 387 - 388
آذار 2017

مدارات