مدارات

قوى اليسار الفرنسي .. الانقسام سيد الموقف

رشيد غويلب
اصبح واضحا منذ العاشر من الشهر الحالي، ان قوتي اليسار الجذري الفرنسي الأساسيتين : حركة "فرنسا الأبية" بزعامة جان لوك ميلنشون والحزب الشيوعي الفرنسي، ستدخلان سباق الانتخابات البرلمانية في 11 و18 حزيران المقبل بقوائم منفردة. وكان الملايين من ناخبي اليسار يأملون ان يستمر التعاون بين الطرفين بعد التجربة الناجحة في خوض انتخابات رئاسة الجمهورية مؤخرا، والتي حقق فيها مرشحهما المشترك نتيجة لافتة. ولكن وصول المفاوضات بين الطرفين الى طريق مسدود بدد هذه الامال.
حملات انتخابية منفردة
في هذه الأثناء اعلن كل من الطرفين عن بدء حملته الانتخابية منفردا. الحزب الشيوعي نظم في 11 ايار فعالية كبيرة في احدى قاعات باريس الرياضية تحدث فيها سكرتيره الوطني بيير لوران. ومن جانبها نظمت حركة " فرنسا الابية" في 13 ايار تجمعا في ضاحية فيلجويف بباريس، التي تعد احدى قلاع اليسار تاريخيا حيث حكمها الحزب الشيوعي في سنوات 1925 - 2014 بلاانقطاع، للتعريف بمرشحيها، القى فيه ميلينشون الكلمة الرئيسية.
ويمكن ان يكون لعدم الاتفاق على قائمة مشتركة بين الطرفين عواقب وخيمة، نتيجة لتنافس مرشحيهما في بعض الدوائر الانتخابية. وعندما تتوزع الاصوات التي حصل عليها ميلنشون في انتخابات رئاسة الجمهورية على القائمتين، فان مخاوف عدم وصول مرشحي القائمتين الى جولة الانتخابات البرلمانية الثانية يصبح قائما. ووفق النظام الانتخابي يستطيع المرشح ، اذا حصل في الجولة الاولى على 12,5 في المائة من الأصوات كحد ادنى، الانتقال الى الجولة الثانية. ويمكن أن يؤدي هذا إلى انخفاض كبير في عدد النواب اليساريين في الجمعية الوطنية الجديدة. وقد يصعب ايجاد معارضة يسارية قوية تواجه نهج الليبرالية الجديدة للرئيس الفرنسي الجديد ماكرون داخل البرلمان وخارجه. ويكتسب ضعف المعارضة اليسارية اهمية قصوى، اذا علمنا ان اليمينية المتطرفة ماري لوبين، ورغم عدم فوزها برئاسة الجمهورية، الا انها حصلت على اكثر من 50 في المائة من الاصوات في 45 دائرة انتخابية، من اصل 577 دائرة. ومن مخاوف ضعف المعارضة اليسارية ايضا امكانية دخول اليمين المتطرف بكتلة قوية الى البرلمان، بعد ان كان لايملك سوى مقعدين فيه.
بارقة أمل
ولحسن الحظ كما قالت جريدة "لومانتيه" في 12 ايار، هناك "نقاط مضيئة". فرغم عدم اتفاق الطرفين على قائمة موحدة وطنيا، الا انه تم التوصل الى بعض التفاهمات في بعض الدوائر الانتخابية، و هناك حوارات بشان دوائر اخرى. وعلى هذا الاساس سوف لا يقدم الحزب الشيوعي مرشحا في الدائرة الانتخابية التي سيرشح فيها جان لوك ميلنشون. وبالمقابل هناك تفاهمات في دوائر اخرى لصالح الحزب الشيوعي. ومع ذلك فان هذه التفاهمات ستشمل دوائر انتخابية قليلة، وخصوصا تلك الدوائر التي كان يفوز فيها تقليديا مرشحون شيوعيون، وفي حالة التنافس بين القائمتين اليساريتين فيها، فان الطريق سيصبح مفتوحا امام احتمال فوز مرشحي اليمين الليبرالي لحركة رئيس الجمهورية ماكرون، او مرشحي اليمين المتطرف. وان اتفاق على الصعيد الوطني للتنازل المتبادل بين قائمتي اليسار، يمكن ان يؤدي الى وصول اكثر من 100 نائب يساري الى الجمعية الوطنية.
استراتيجيات متعارضة
ويعود الافتراق بين الطرفين الى وجود استراتيجيات متعارضة. فميلنتشون يسعى لجعل حركته اطارا لاحتواء جميع قوى اليسار. وهذا التصور قائم على ان رفض الاحزاب التقليدية، حتى في معسكر اليسار سيجلب له ناخبين جدد، ويوسع امكانياته التعبوية. وبالتالي تتحول حركة ميلنشون الى "قطب جامع" لجميع قوى اليسار البديلة. ان هذا التصور يتقاطع مع ارادة اكثرية اعضاء الحزب الشيوعي، وبعض مجاميع اليسار الأخرى. فهذه القوى تسعى لاسع تحالف يساري، ولكنها لا تريد الذوبان في احد اطرافه، بل تعمل على الحفاظ على استقلاليتها السياسية والفكرية والتنظيمية. وفي الكثير من الدوائر الانتخابية ، والبلديات يمتلك الشيوعيون، عبر عشرات السنين، قواعد ثابتة، وهم لا يريدون الذوبان بشكل تعسفي في اطار جديد.
ميلنشون والرس الاسباني
ويبدو ان ميلنشون ومن حوله لم يتعلموا من تجربة اليسار الاسباني. فعندما تبنى حزب بودوموس اليساري حديث التشكل في اول انتخابات مبكرة عامة في اسبانيا هذا النهج تجاه اليسار الاسباني المتحد الذي يشكل الحزب الشيوعي الأسباني قوته الرئيسية، ضيعت على اليسار فرصة تشكيل حكومة يسارية في البلاد، ولكن بودوموس عاد وصحح نهجه في الانتخابات المبكرة الثانية، وحسمت اكثرية مندوبي مؤتمر الحزب الثاني في العام الماضي خيارها باعتماد سياسة العمل المشترك مع اليسار المتحد والحركات الاجتماعية.

مدارات