مدارات

قراءة في كتاب "مبادئ الصوفية وحكمة الإشراق" للشيخ عبد الكريم الماشطة

نبيل عبد الأمير الربيعي
يؤكد القاضي والباحث طارق حرب في تعليقه على دور العلامة عبد الكريم الماشطة في الحفل الاستذكاري التي أقامته مؤسسة المدى في شارع المتنبي بالقول : من يقرأ مقالة الشيخ عبد الكريم الماشطة عن الإمام أبو حامد الغزالي يجد أن متصوفة بغداد كانت لهم مكانة خاصة في قلبه, إلا أن الشيخ الماشطة دخل التصوف يقدم رجلاً ويؤخر أخرى, والسبب في ذلك هو أن الشيخ الماشطة كان لا يزال متأثراً بتاريخه الحضاري.
صدر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في مدينة الحلة الكتاب الموسوم (مبادئ الصوفية وحكمة الإشراق) وهو جمع وتحقيق الدكتور سعد الحداد, الكتاب يمثل مقالات للشيخ عبد الكريم الماشطة نشرها في مجلة (الحكمة) الحلية سنة 1936 لصاحبها ورئيس تحريرها رؤوف الجبوري, ولعدم تيسر المجلة في الوقت الحاضر, آثر الدكتور الحداد إخراج المقالات بكتابٍ واحد مبقياً على عنوانها الذي نشرت به يومذاك, ليضاف إلى المكتبة الحلية إرثاً بهياً من إرث علمائها التنويريين.
أولى الشيخ عبد الكريم الماشطة الاهتمام بعلم التصوف ومبادئه, ووضعه تحت مجهر الفحص والتحليل من خلال مقالاته التي نشرها في مجلة الحكمة الحلية سنة 1936 الأعداد (الأول/ ت1 1936, الثالث/ ك1/1936,الرابع/ ك2 1937, الخامس/ شباط/1937, السادس/ آذار/1937), ليبعده عن آثار الشعوذة والأوهام. وكان للدكتور سعد الحداد الدور الكبير في جمع مقالات الشيخ الماشطة ليضعها بين يدي القارئ, والكتاب مجموعة من المقالات التي نشرها الشيخ الماشطة في حياته تحت عنوان (مبادئ الصوفية وحكمة الإشراق), وقد عمل الباحث د. الحداد على شرح العبارات والمصطلحات التي تستحق الوقوف عندها, وترجم جميع الأعلام الوارد ذكرهم في المقالات, كما ترجم للمؤلف الشيخ الماشطة سيرة حياته ومنجزاته العلمية ومواقفه الوطنية.
مقدمة الكتاب بقلم د.أسماء غريب, وحقيقة أن هذه المقدمة تعضد جهد الباحث والمحقق د. سعد الحداد من هذا الكتاب, تقول د. غريب حول الشيخ عبد الكريم الماشطة (عَلم من أعلام الفكر المتنور, الشيخ المفضال صاحب راية السلم والسلام عبد الكريم رضا الحلي, الملقب بالماشطة لأنه كان يمشط العقول بحرفه المتنور ويحررها من ربقات الجهل وقيود الظلم والظلام والتخلف... لأرى طفولته وهو في الكُتّاب, وشبابه وهو في الحوزات العلمية تارة في النجف الأشرف وتارة في بغداد, وتارة بكربلاء, ولأرى أيضاً مقالاته منشورة في مجلتي (الفيحاء) و(الحكمة), ولأراه وهو يكابد الأمرين من أجل إصدار مجلته (العدل) التي كان لها الحاقدون بالمرصاد, ولم يهدأ لهم بال حتى أجهضوها ولما يصدر بعد منها سوى عددٍ واحدٍ... مطبوعاته بما فيها كُتيبه الذي أصدره سنة 1959 في مدينة الناصرية بعنوان (الشيوعية لا تتعارض مع الإسلام والقومية).. وأنا مثله كتبت كثيراً عن السلام وأهله, وأنا مثله رافقت (الشيوعيين) وكتبت عنهم وترجمت لهم بحرف المحبة الكونية العالمية, حتى كاد قرائي وأهل الأدب يظنون أنني شيوعية الهوى والفكر وما كنت كذلك قط, ولكنني مثل الماشطة أقول إنّ الشيوعية لم تتعارض ولو ليوم واحد مع الإيمان أو الدين أو التدين, وأنها ولم تزل لليوم في حاجة إلى من يقرؤها بعين الفحص والتدقيق, وعين العدل والحوار والتقارب بين مثقفي العالم وعلمائه وفلاسفته الجهابذة.
حياة المؤلف:
يعد الشيخ الماشطة أحد رواد التنوير في العراق, وهو ابن الحاج عبد الرضا بن الحاج حسين بن الحاج محسن الماشطة, ولد عام 1881م, في أحد بيوتات محلة جبران, زقاق (الجياييل) في مدينة الحلة الفيحاء, وكان والده من الشخصيات الوطنية التي طالبت بالدستور في بداية القرن العشرين, وامتدت طموحاته الكبيرة إلى إزالة الوضع الاستبدادي القائم, وتحسين أحوال العراقيين الاجتماعية والمعيشية, مما دعاه إلى الاشتراك مع مجموعة من مفكري المجتمع الحلي في تشكيل جمعية سرية تكون فرعاً لجمعية الاتحاد والترقي.
بدأ الشيخ عبد الكريم الماشطة تعليمه في كتاتيب الحلة, وبرغبة من والده شد رحاله إلى النجف الأشرف, فأكمل المقرر من دروسه في النحو والبلاغة والمنطق والفقه وأصوله, فحاز على ناصية وزمام أمره كما أكد ذلك الباحث أحمد الناجي في كتابه (الشيخ عبد الكريم الماشطة أحد رواد التنوير في العراق). وحين هبت رياح التجديد ارتبط الماشطة بالفكر التنويري, ممثلاً بأفكار رفاعة الطهطاوي, وعبد الرحمن الكواكبي, وجمال الدين الأفغاني, ومحمد عبده, وكان الشيخ الماشطة أحد طلاب الحوزة الدينية المدافعين عن الدستور, متأثراً بفكر وسيرة والده.
لم يكن الشيخ الماشطة بعيداً عن ما مر على العراق من أحداث, وكل خفايا الاحتلال البريطاني 1914/1918م, وأحداث معارك الشعيبة عام 1915م, والأحداث المروعة التي مرت بها الحلة أواخر العهد العثماني في واقعة (دكة عاكف) 1916م, وأحدث ثورة العشرين, وتبلورت صور المشهد السياسي في ذهن الشيخ الماشطة المتابع لتفاصيل الأحداث, مما أنغرس في أغوار الذاكرة من بذرات أستاذه الآخوند ملا كاظم الخراساني زعيم الحركة المشروطة, تلك الحركة التنويرية الإصلاحية التي دعت سنة 1905 إلى التجديد والعدالة والدستور, وبدعم من الشيخ محمد حسين النائيني.
أصدر الشيخ الماشطة مجلته (العدل) عدداً واحداً في آذار عام 1938, طبع في المطبعة العصرية في الحلة الفيحاء, وقد صادرته السلطة قبل توزيعه, وألغيت امتياز المجلة. ويذكر د. الحداد في ص16, لقد : ساهم الشيخ الماشطة في تأسيس حزب الشعب في مدينة الحلة سنة 1946, وبعد عام واحد من النشاط الحزبي ألغيت إجازة الحزب في 19/9/1947.
لم يكن الشيخ الماشطة ببعيد عن الأحداث العالمية وللحاجة الإنسانية للسلام وتجنب كوارث الحروب بعد الحرب العالمية الثانية, فلبى الدعوى الصادرة عن مؤتمر السلام العالمي في 19 آذار 1950 لتحريم القنبلة الذرية, ولبى الدعوى أيضاً شخصيات سياسية عراقية أخرى منهم شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري, والشاعر عبد الله كوران, ويعد الشيخ الماشطة رجل الدين الأول الذي لبى نداء السلم ووقع على بنوده الخمسة الصادرة عن اجتماع استوكهولم. وقد حصل الشيخ الماشطة على الوسام الذهبي تقديراً وتكريماً لجهوده.
كما خاض الشيخ الماشطة الانتخابات النيابية عام 1954م متحالفاً مع تكوينات الجبهة الوطنية التي تضمنت تحت لوائها ممثلين عن الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال, والحزب الشيوعي العراقي, وحركة أنصار السلام, ومنظمات الطلاب والشباب والنقابات المهنية والعمالية وممثلي الفلاحين.
تعرض الشيخ الماشطة إلى الاعتقال أكثر من مرة, إلا أنه لم يلبث أن يعود إلى جهاده المساند للجماهير الداعية إلى نصرة قضايا السلام في العالم, المكافحة ضد الاستعمار وأذنابه في العراق. كما بارك الشيخ الماشطة ثورة 14 تموز 1958 وأيدها, لكنه أدرك أن الثورة قصيرة العمر لما يختلجها من صرعات وخلافات بين قادتها.
كان الشيخ من الكتاب والصحفيين الوطنيين الذين لم تسخر أقلامهم إلا لمصلحة شعبهم وتطلعاته, بعد التغيير الوطني عام 1958, نشر الشيخ الماشطة مقالات في الصحف العراقية آنذاك منها (اتحاد الشعب, وصوت الأحرار).
للشيخ الماشطة مؤلفات كثيرة مطبوعة ومخطوطة, ومقالات لا تحصى نشرت في الصحف العراقية, وأهم ما يذكر في هذا الباب كتابه الذي ذكره الأستاذ كوركيس عواد في (معجم المؤلفين العراقيين), ويؤكده الأستاذ حميد المطبعي في (موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين), وعنوان كتاب الشيخ الماشطة (الشيوعية لا تتصادم مع الدين ولا مع القومية العربية), ومؤلفه الثاني الأحكام الجعفرية في الأصول الشخصية, وقد طبع أكثر من مرة منها الطبعة الأولى عام 1923 في بغداد والثانية في القاهرة سنة 1947م. وكتب الشيخ الماشطة الكثير من المقالات , حيث يذكر د. الحداد في كتابه ص18 منها : جريدتا (صوت الفرات) 1952, و(القافلة) 1959, التي أصدرهما مع الشيخ حميد سعيد الغاوي, كذلك جريدة (الفيحاء) 1927, وجريدة (حمورابي) 1935, ومجلة (الحكمة) 1936, وجريدة (الحلة) 1937, وجريدة (التوحيد) 1946, وجريدتي اتحاد الشعب وصوت الأحرار الصادرتين في بغداد.
أصيب الشيخ الماشطة بمرض عجز القلب بداية عام 1959, وغادر إلى الاتحاد السوفيتي آنذاك لتلقي العلاج, ولم يمكث طويلاً في موسكو وعاد إلى مستشفيات بغداد وتوفى فيها في 3 أيلول عام 1959. ونقل جثمانه إلى الحلة الفيحاء ومنها شيّع إلى مثواه الأخير النجف الأشرف, وأقيم له أكثر من مجلس فاتحة أو أربعينية في مختلف المحافظات العراقية, وخارج العراق, ونعاه المكتب الدائم للمجلس الوطني لأنصار السلم في الجمهورية العراقية.
مبادئ الصوفية وحكمة الإشراق:
من خلال متابعتي لحلقات الكتاب الخمس التي جمعها د. سعد الحداد, حول مبادئ الصوفية وحكمة الإشراق, وجدت أن الشيخ الماشطة قد عالج مسألة الاغتراب عند الصوفية, وقد وضح الشيخ الماشطة حال كل صنف من أصناف التصوف, بما لهُ من الخواص والمميزات التي تميزه عن باقي الأصناف الكثيرة, لكن الشيخ الماشطة سلط الضوء على أربعة من أصنافهم منها : من كان منهم على طريقة الحكماء الإشراقيين من المتوغلين في الحكمة النظرية والحكمة العملية, وكذلك أتباع الفقهاء من المتوغلين في المواعظ والرقائق, فضلاً عن أهل الجهل من العُباد المتقشفين, والصنف الرابع هم أرباب الدجل والشعوذة.
أما إطلاق اسم الصوفية عليهم يقول الشيخ الماشطة في ص24 من الكتاب: فهو من مستحدثات القرن الثاني الهجري, وفي بعض الآثار أن الحسن البصري قد استعمل هذه الكلمة بمعناها المعروف بين المتأخرين. وعلى كلٍّ فلم تستعمل هذه الكلمة في عهد الرسول (ص) ولا في عهد الصحابة الكرام بمعناها الذي اشتهرت به في القرن الثاني والثالث الهجريين وما بعدهما.
لكن العلّة لإطلاق كلمة الإشراقيين على هذه الطائفة من المتصوفة هي نفس العلة لوصف الفلاسفه بأنهم أرباب المكاشفات والمشاهدات والأحوال والمقامات, وهي ما يدعيه كل الفريقين من حصول العلوم والمعارف لهم بطريقة غير الطريقة المعروفة بين أهل العلم من المشائين.
كما ذكر الشيخ الماشطة في ص33 من الكتاب ما يخص الغزالي بفلسفته وما فعلوه علماء المغرب بكتبه من حيث اشتمالها على الفلسفة, فقال : فخاف أن يسري هذا الوباء إلى المشرق فصنف كتابه (المنقذ من الضلال) تخلصاً من شر أمثال هؤلاء الذين وصفهم بقوله (شركاء الطغام , وأمثال الأنعام, وأتباع العوام, وسفهاء الأحلام, وعار أهل الإسلام).
ويعلق الشيخ الماشطة في ص35 من الكتاب حول المتصوفة قائلاً : إن هذه الطائفة من الصوفية اعني الذين هم على طريقة حكماء الإشراق قد تستر بعضهم بالتقشف والعبادة, وامتنعوا عن تدريس الحكمة بصورة صريحة, كما تستر بعضهم بالفقه, ذلك من اجل ابتلاء الحكماء بأهل الظاهر الذين جمدوا على ظاهر الكتاب والسنة.
هؤلاء من أنكروا عليهم آراءهم الفلسفية ورموهم بالزندقة والمروق من الدين فاضطروا إلى إخفاء أمرهم, وقد قتل الكثير منهم بفتوى من عاصرهم من الفقهاء ومنهم أبي الفتح السهروردي ومحي الدين ابن عربي وغيرهم, كما توعد المجلسي الشيعي المذهب صاحب بحار الأنوار لما صار شيخاً واستمد قوته من سلاطين الدولة الصفوية بمطاردة الحكماء من الصوفية.
في ص38 عرَّف الشيخ الماشطة الصوفية بالقول: إن الصوفية كغيرهم من الحكماء المتألهين, بأن للنفس الإنسانية لذة وألماً روحانيين, وسعادة وشقاوة معنويين, وراء اللذات والآلام الحسية. وقد اتفق الحكماء الإلهيون من الصوفية وغيرهم, على أن الرذائل الممقوتة والأخلاق السافلة هي مناط الآلام والهموم في دار الدنيا.
إن الطريقة الإشراقية لتلقي المعارف بعد الحصول على شرائطها من التجرد والتخلي عن الشواغل لا يمكن أن يحصل بها إلا بعض مسائل العلم الإلهي وليست عامة ومطلقة في سائر العلوم, ويرى الشيخ الماشطة في ص41 أنه لا طريقة لاكتساب المعارف سوى الطريقة المشهورة وهي الطريقة الفكرية البحثية وما يرى من حصول التصديق ببعض القضايا التي لا تعرف المقدمات المنتجة لها عند التبحر وصفاء الذهن.
لكن يرى الشيخ الماشطة في المتوصفة أن ليس لهم عناية بالحوادث المستقبلية, ففي ص43 قال : وما ينقل عنهم من تلك الحوادث, فهو إما من وضع الجهال, أو من افتراء الدجالين, أو ناتج عن الحدس والفراسة. وهذا قول واقعي لما صرح به الشيخ الماشطة حول اهتمام البعض في هذا الغلط تقليداً قد يكون للفلسفة البابلية حول تكهنات المستقبل وكذلك أحكام النجوم لابن عربي وأخوان الصفا.
يؤكد الشيخ الماشطة في الحلقة الثانية ص47 حول الفلسفة الصوفية والحكمة الإشراقية أنها (مغايرة لفلسفة المشائين أتباع المعلم الأول أرسطو, ومن تابعهم من فلاسفة الإسلام كالفارابي والشيخ الرئيس ابن سينا.
والإشراقيون تنتهي بهم السلسلة إلى أفلاطون وسقراط وغيرهما من حكماء الإشراق, والمشاؤون ينتهي سندهم إلى أرسطو. وان أرسطو أخذ نظرية السعادة عن شيخه أفلاطون وعن سقراط وفيثاغورس وغيرهم من المتألهين على الطريقة الإشراقية.
من خلال إطلاعي على الكتاب يرى الشيخ الماشطة أن الصوفي كغيره من الحكماء يعتقد بأن النفس البشرية تشعر باللذة والألم والسعادة والشقاوة، ويعترض على إنزال عقوبة القتل بالصوفية منطلقاً من حرية المعتقد والرأي، ورأى الشيخ الماشطة انه لا طريق لاكتساب المعارف سوى الطريقة الفكرية البحثية وما يرى من حصول التصديق ببعض القضايا التي لا تعرف المقدمات المنتجة لها عند التجرد وصفاء الذهن، ودعا الشيخ لأول مرة إلى موضوع وهو المراد به الاستحسان.

مدارات