مدارات

في ذكرى ميلاد كارل ماركس / ناصر حسين

ولد كارل ماركس في مدينة تريف الألمانية التي ألحقت فيما بعد بفرنسا ومنح الجنسية الألمانية. ولهذا يعتبره المؤلفون المانياً وهذا ماكنت مقتنعاً به أنا أيضاً ولعشرات السنين حتى تسنى لي، ومن خلال رسالة من زوجته السيدة جيني فون ويستفالين إلى السيدة زوجة المناضل الثوري المقرب من ماركس يوسف فايديمير مؤرخة في 11 آذار 1861، منشورة في مؤلف صادر عن دار النشر باللغات الأجنبية – موسكو معنون ( ذكريات عن ماركس وانجلز)، ان أعرف ان أسرة ماركس – أباه واعمامه – هولنديون وليسوا الماناً.
في رسالتها الى زوجة السيد يوسف فايديمير وفيما كتبته ايضاَ في مقالة لها معنونة ((رسالة موجزة عن حياة مضطربة)) أكدت السيدة جيني ماركس هولندية اسرة ماركس حيث أكدت ان ماركس ((توجه عام 1861 الى هولندا بلد آبائه، بلد التبغ والجبن)) و((كان يود ان يرى هل من المستطاع أخذ شيء من المال من عمه)) وتؤكد بأن عمه (ليون فيليبس)) وهو من رجال الاعمال في هولندا، ((أقرضه بكرم مالاً بدون فائدة)) وتؤكد انها هي ايضاً ذهبت الى بيت عمه في هولندا عام 1850 وانه قدم لها ما يستطيع تقديمه من مساعدة مالية.
كارل ماركس، وكما معروف، عمل لفترة من الزمن في تحرير الجريدة ((الرينانية)) وكان اصحابها برجوازيين ديمقراطيين، ثم استقال منها وغادر الى فرنسا، وقد قامت السلطات الرجعية في المانيا بغلقها رغم ان ماركس قد استقال من تحريرها وغادرها.
في فترة ثورات 1848 في اوربا، عاد ماركس وبالتعاون مع انجلز لإصدار الجريدة وباسم (الجريدة الرينانية الجديدة) هذه المرة، الا انها سرعان ما اغلقت. فقد سادت في اوربا هجمة بوليسية رجعية اثر فشل تلك الثورات الأمر الذي بعث الرعب في نفوس (اصدقائه البرجوازيين الصغار) على حد قول احد اصدقاء ماركس المقربين فانسحبوا من تحرير وتمويل الجريدة، ورغم المحاولة التي بذلها ماركس من اجل ان لا تتوقف عن الصدور اذ قام بتسجيلها باسمه وتحمل بذلك اعباء نفقات اصدارها اضافة الى اعبائه الاخرى لم يتمكن من الحيلولة دون توقفها، ولم يأت ذلك التوقف ايضاً بعيداً عن ((الدسائس من جانب السلطات الرجعية وفي المقدمة منها الالمانية))
تنقل ماركس في تلك الفترة من دولة الى اخرى بسبب مطاردة السلطات الرجعية له وأخيراً استقر به المقام في لندن. ولم يكن فيها لاجئاً يريد ان يمضي باقي ايام حياته، بل كان مناضلاً ثورياً، عالمياً، يستقبل في بيته القادمين من مختلف اصقاع الدنيا ليستمع الى ما لديهم من معلومات عن نضال شعوبهم وحياتهم، يحاضر في التجمعات العمالية وفي النوادي الثقافية، عن الاقتصاد السياسي والفلسفة وغيرها، مؤسساً وقائداً لجمعية الشغيلة العالمية – الاممية الاولى – وفي ذكرياته عن ماركس كتب بول لافارغ يقول بأن ماركس قال عن نفسه (انا مواطن عالمي اشتغل حيث أكون)
كان ماركس يعطي اهتماماً كبيراً للشباب، حيث يستقبلهم ويتحدث معهم لساعات طوال. وقد كتب أحد المقربين منه عن ذلك بالقول ان ماركس كان يجيبهم عندما يسألونه عن سر اهتمامه بالشباب: ان علي ان اربيهم، فهم سيواصلون نشر الفكر من بعدي.
أما عن لقاءاته مع فردريك انجلز فالجميع يتحدث عن انها كانت لها طبيعتها الخاصة ولم يكن ذلك مستغرباً فهما كانا يرسيان اسس النظرية وتدقيق مفرداتها ويساهمان سوية في اعداد بعض المؤلفات كالبيان الشيوعي الأول عام 1848 وانتي دوهرنغ مثلاً.
ماركس كقائد للأممية الاولى تابع نتائج التصويت في فرنسا وانتخاب لويس بونابرت لرئاسة الجمهورية التي حولها فيما بعد الى إمبراطورية اسماها الإمبراطورية الثانية.وقد خصص لتلك الحالة مؤلفه الشهير (الثامن عشر من برمير لويس بونابرت) الذي قال عنه بول لافارغ (ان كتابه الثامن عشر من برومير يبرهن على ان ماركس كان الوحيد بين المؤرخين ورجال السياسة لعام 1848) الذي فهم الأسباب الحقيقية وتنبأ بنتائج انقلاب 2 ديسمبر 1851)
في هذا التاريخ أي 2 ديسمبر 1851 قام رئيس الجمهورية الفرنسية لويس بونابرت – ابن عم نابليون – بانقلاب أطاح بالجمعية التشريعية ونصب نفسه رئيساً للجمهورية الى اخر حياته وبعد عام واحد أي في الثاني من ديسمبر 1852 نصب نفسه امبراطوراً باسم نابليون الثالث).
ماركس الذي كتبت عنه ابنة كوغلمان بعض ذكرياتها قال عنه كوغلمان – كما ورد في ذكريات ابنته- انه (يسبق عصره بقرن) تنبأ بكل مجريات الأمور بعد انقلاب بونابرت وقيم امبراطورية (نابليون الثالث) كما ورد في مؤلفه المعروف (الحرب الأهلية في فرنسا) بانها (الشوفينية بعينها). وتوقع قيام الامبراطور بغزو المانيا وكذا فعل انجلز. هزيمة القوات الفرنسية التي قامت بغزو المانيا وكان ماركس قد عبر عن خشيته بان تتحول القوات الالمانية المدافعة عن وطنها الى قوات غازية لفرنسا وهذا ماوقع فعلاً حيث وصلت القوات الالمانية الى اسوار باريس بعد ان هزمت القوات الفرنسية في معركة سيدان واسرت الامبراطور ومعه الكثير من القادة والقوات ايضاً.
وهنا نجد المبدئية والمرونة في تحديد مواقفه والتعامل مع الأمور وفقاً لتحولاتها بعيداً عن الجمود.
ففي عام 1871 وعلى اثر هزيمة القوات الفرنسية في المانيا ووصول القوات الألمانية الى اسوار باريس انتفضت جماهير باريس وسلحت نفسها وأعلنت الجمهورية منهية بذلك امبراطورية نابليون الثالث. وسمحت لبعض نواب باريس بتشكيل حكومة سموها بحكومة (الدفاع الوطني) وكانوا مجموعة من الوصوليين، نهازي الفرص، سياسيي الصدفة وقد تحدث ماركس عن بعض الاشخاص من ممثلي تلك الحكومة ورئيسها تيير بتفاصيل واسعة في مؤلفه (الحرب الأهلية في فرنسا).
ماركس الذي تحدث عنه انجلز في حاشية من مؤلفه (لو دفيغ فورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الالمانية) بالقول انه (كان الاعلى منا جميعاً، والابعد والاشمل والاسرع نظراً منا جميعاً)، خشى ان يسلك عمال باريس سلوك المغامرة غير المحسوبة النتائج فحذر عمال باريس من الاندفاع الخاطئ ونصح بالاستفادة من اجواء الحرية المفروضة فرضاً على حكومة تيير فالظروف الموضوعية المحيطة بعمال باريس لا تسمح باعلان الكومونة، وهذا هو الجانب المبدأي في الأمر. أما المرونة فقد تطلبت من ماركس عندما اضطر عمال باريس الى اعلان الكومونة ان يحييها ويسير الى جنبها، يقترح عليها، ويتعلم منها كما كتب لينين في المقدمة التي كتبها لطبعة من رسائل ماركس الى كو غلمان.
ماركس في رسالة منه الى كوغلمان مؤرخة في 17 نيسان 1871 ذكر انهم - حكومة تيير - وضعوا امام الباريسيين حلين لا ثالث لهما: اما قبول التحدي الى النضال، واما الاستسلام بلا نضال، ولو تحقق الحل الثاني لكان تفسخ معنويات الطبقة العاملة كارثة اعظم بكثير من خسارة أي عدد كان من الزعماء)).
وعندما فشلت الكومونة، مثلما توقع ماركس مسبقاً لم يقل ماركس كما قال بليخانوف الذي صرح بعد فشل الثورة في روسيا عام 1905 (ما كان ينبغي حمل السلاح) بل ضمن رسالته الى كوغلمان المقطع التالي (بفضل كومونة باريس دخل نضال الطبقة العاملة ضد طبقة الرأسماليين ودولتها في مرحلة جديدة وأيا يكن مآل القضية المباشر هذه المرة فقد تم الظفر مع ذلك بنقطة انطلاق جديدة ذات اهمية تاريخية عالمية.
فشل الكومونة وضع على عائق ماركس مسؤولية كبيرة وهي ايواء بعض رجال الكومونة الذين استطاعوا الافلات من قبضة عصابات تيير التي كانت تجوب شوارع باريس تقتل الناس رجالاً، نساء، أطفالاً بدون حسيب او رقيب تماماً مثلما فعلت عصابات (الحرس القومي) في شوارع بغداد والكثير من مدن العراق واريافه بعد انقلاب الثامن من شباط عام 1963.
كانت المهمة شاقة خصوصاً وان ماركس كان يعاني من ضائقة اقتصادية ويعتمد قبل كل شيء في تدبير امور معيشته على المساعدة التي يقدمها له فردريك انجلز.
وعلى ضوء سيادة الأساليب البوليسية في أوربا بعد فشل الكومونة والتضييق على فروع الاممية اقترح ماركس نقل مركز الاممية الى الولايات المتحدة. وبذلك توفر له الوقت الكافي للتفرغ لكتابة مؤلفه (رأس المال) معتمداً في تدبير أموره المعاشية قبل كل شيء على ما يقدمه له انجلز من مساعدة، ومعلوم ان انجلز اضطر للعمل الإضافي لتدبير المساعدة التي كان يقدمها لماركس. عشرون عاماً كاملة كان انجلز يعمل لتدبير تلك المساعدة، فأية رفقة كانت هذه!
توفي والد انجلز وبذلك أصبح شريكاً في مؤسسة والده الاقتصادية في مدينة مانشستر البريطانية. وقد تزامن مع انجاز ماركس للكتاب الأول من رأس المال وتسليمه للناشر وعندما علم انجلز كتب الى والدته بفرح وسرور (لقد تحررت يا أمي. واصبح بأمكاني الانتقال الى لندن لأكون قريباً من ماركس) وأنتقل انجلز الى لندن فعلاً ليأخذ على عاتقه انجاز الكثير من المهام الادارية التي يتطلبها عمل الاممية النضالي وليتفرغ ماركس التفرغ الكامل لمواصلة كتابة رأس المال ولم يفرقهما غير وفاة ماركس.
ماركس في كل حياته كان يكره التملق وعبادة الشخصية وكيل المدائح لشخصه. وقد كتب بهذا الخصوص من لندن في العاشر من تشرين الثاني عام 1877 الى ولهم بلوس يقول:
(انا لن اغضب كما يقول هايني، وكذلك انجلز، فكلانا لن يدفع وان متليكاً عتيقاً واحداً من اجل الشعبية. اليك مثلاً، برهاناً، لاشمئزازي من كل عبادة للفرد، لم اسمح يوماً، طوال وجود الأممية بنشر الرسائل العديدة التي كانت تعترف بافضالي والتي ازعجوني بها من مختلف البلدان بل اني لم ارد عليها ابداً، الا اني في حالات نادرة قرعت مرسليها، وعندما انتسبنا انجلز وانا للمرة الاولى لجمعية سرية للشيوعيين وضعنا شرطاً لا محيد عنه وهو ان يشطب من النظام الداخلي كل ما يسهم في عبادة اعاظم الرجال الخرافية..).
والان ماذا عن افضال ماركس ؟
كتب لينين متحدثاً عن افضال ماركس وانجلز على الطبقة العاملة (لقد علماها كيف تعرف نفسها كيف تكتشف ذاتها، وادخلا العلم الى صفوفها).
أما عن الفلسفة فقد كتب لينين يقول ان ماركس (جعل الفلسفة ثورية) و(اعطاها مهمة عملية) وكان بذلك يشير الى الموضوعة الحادية عشرة عن فورباخ والتي قال فيها ماركس: (ان الفلاسفة لم يفعلوا غير ان فسروا العالم بأشكال مختلفة ولكن المهمة تقوم في تغييره).
لقد قيل الكثير عن فكر ماركس بعد الانهيار المدوي للتجربة السوفياتية عام 1993 ولكن كل ما قيل لم يمنع اميل حبيبي من ان يقول (سيبقى ماركس حياً ويبقى ديالكتيكه واقفاً على قدميه)
اما الرفيق الشهيد جورج حاوي فقد اشار الى كتابات الفلاسفة والمفكرين الامريكان المعاصرين عن الماركسية وعن طروحات ماركس عن الأزمات الدورية التي تحل بالاقتصاد الرأسمالي بالارتباط مع الأزمة الحالية للاقتصاد الرأسمالي والتي بدأت أول ما بدأت في الولايات المتحدة الامريكية حيث قالوا (لو لم يكن ماركس موجوداً لكان قد وجد الآن)
المجد للذكرى الثامنة والتسعين بعد المائة لميلاد كارل ماركس

مدارات