طريق الشعب (خاص)- لندن

ابتدأ المقهى الثقافي العراقي في لندن آماسيه لموسمه الجديد لعام 2018 في السادس والعشرين من كانون الثاني الماضي بأمسية عن فنان الحرية جواد سليم عالج فيها أهميته ودوره في الحركة التشكيلية العراقية حيث تكمن أهمية جواد سليم ( 1920 – 1961 ) في البنية المعرفية التي قدمها للعراق أساساً، فهي تمثل الثقافات والتاريخ وعلاقة المثقف بالمجتمع والمعرفة ، وجهده يغطي مساحة  واسعة تختلط فيها الأحداث الفنية والإجتماعية  والسياسية من خلال ربط التاريخ الخاص بالفن مع التاريخ العام للأنسان ، وأوجد الصلة الحقيقية بين العصر الحديث والحضارة العراقية القديمة .

كانت مهمة جواد معقدة جداً، لأنها تهدف الى إنتاج ثقافة ومعرفة مستقلة في منطقة الشرق الأوسط والخاضعة لأوربا  التي لا ترى فيها غير منجمٍ للمواد الخام، أي أنه أراد تقديم ثقافة لم تقدم بعد أو أُسيء الفهم في تقديمها ،ومن حسن حظه أنه يقف على أرضٍ تتكدس فيها الحضارات مثل طبقات الأرض ،وتتصف بالحيوية والتدفق والتنوع والإستمرار .

توجهنا الى أمسية المقهى وفي الذهن يتمحور سؤال بارز هو أن  جواد في حاجة الى قراءة جديدة وإعادة نظر أخرى ، لأن مجايليه لم يمتلكوا ما نملك من معارف جديدة حول الفن والمجتمع وكذلك من مناهج أكثر تدقيقاً من مناهج الخمسينات .

لقد خلق لنا جواد منهجية جديدة تمتلك قانونيتها ولها القدرة على إنتاج فن ومعرفة تقابل ما للآخرين من معارف وفنون وثقافات ، منهجية لا تلغي الآخر ولا يقدر الآخر على إلغائها ، منهجية ديالكتيكية ، إيجابية وقد أثبت للآخر عملياً تعدد وجهات النظر وإختلافها في فهم المشهد الفني في منطقتنا .

افتتح الأمسية مقدمها الفنان والأعلامي فلاح هاشم بالقول :" مرّ 57 عاما على رحيل جواد سليم الفنان الأكثر حضورا عبر هذه السنوات و الأسم الذي تداول منذ ان رحل وحتى اليوم ولو كان هذا الفنان قد أنجز نصب الحرية الشاخص في ساحة التحرير فقط لكفاه ذلك تخليدا لأسمه ..هذا النصب الملحمة مكون من 14 قطعة كل واحدة منها قطعة فنية ممكن ان تعرض لذاتها لكنها تشكل مع القطع الأخرى ملحمة عظيمة بالغة الدلالات والرموز". وأضاف فلاح: " لكن أهمية جواد سليم في تاريخ الفن التشكيلي في العراق تأتي من كونه انتبه الي شيء لم يفكر أحد من قبله فيه مليا ..كانت هناك مجموعة من الفنانين الذين درسوا في أوربا وتأثروا بالمدارس والأساليب الأوربية والغربية عموما وعادوا الى العراق لينتج ويبدع كل منهم في أطار رؤيته ، لكن جواد أراد أن يؤصل للفن العراقي ، وأن يوجد له هوية واضحة، فأقتضى ذلك منه بحثا طويلا ، فكان له أن يغترف من الموروث الشعبي والفولكلور ،متصلا الى زمن الواسطي الذي زين مقامات الحريري، ولم يكتف بذلك بل بحث في موروثات الحضارات الرافدينية القديمة ..فنرى هذه الملامح فيما بعد تتوزع في أعماله بشكل مباشر أحيانا واحيانا بشكل متوار"

وأشار فلاح الى ان جواد كان مثقفا موسوعيا فهو يحب الموسيقى ويعشق المقام العراقي ويتكلم لغات عديدة ..وشارك في المعرض العراقي الاول في مطلع الثلاثين وفاز بجائزة فيه وابتعث لدراسة الفن في اوربا .. وعاد الى العراق وتحول من رسام الى نحات ، عبر ارهاصات داخلية ، استغرقت منه سنوات .. كانت موضوعات رسومه من الشارع ويصور فيها هموم الناس. ثم اعطى هاشم مدير الأمسية الحديث للفنان المبدع فيصل لعيبي الذي شكر حضور الأمسية المميز وبدأ مداخلته بذكر اسماء رواد الفن العراقي نهاية الامبراطورية العثمانية وبعد سقوطها وهم من الضباط آنذاك ومنهم عبد القادر الرسام وسليم علي والد جواد وجاء على ذكر تأسيس معهد الفنون الجميلة وسفر بعض الفنانين للدراسة ومن بينهم جواد سليم اثناء الحرب العالمية الثانية . وأكد الفنان لعيبي على ان  جواد : "  يعتبر من المثقفين العضويين في مجتمعنا ، وهو مساهم فعال في صياغة توجهاته الروحية والجمالية ، إضافة الى كونه فناناً شعبياً من الطراز الأول ، حيث فجر مكنون هذا الشعب وقدمه بشكل عصري يتناسب مع ما كان سائداً في فترته من محاولات التجديد الحقيقية ، حيث يشترك مع فائق حسن ومحمود صبري ومديحة عمر ونازك الملائكة وبدر شاكر السّياب ومحمد مكية ورفعت الجادرجي وعلي الوردي وطه باقر وعبد الجبار عبد الله وجواد علي وعلي جواد الطاهر ومتى عقراوي وغانم عقراوي ونوري ثابت  (حبزبوز ) وغازي الرسام وصادق الأزدي وحقي الشبلي وعزيز علي وجميل بشير وسلمان شكر وغانم حداد وعبد الله كوران وغائب طعمة فرمان وعبد الملك نوري والجواهري و فؤاد التكرلي ويوسف العاني وهاشم الخطاط ويحيى فائق ومحمد القبانجي وحضيري ورضا علي وعباس جميل وعفيفة إسكندر ولميعة توفيق وزهور حسين وسليمة مراد وإبراهيم جلال وجعفر السعدي وزينب وناهدة الرماح وجمهرة لا تعد ولا تحصى من المبدعين ، في إرساء قواعد الحداثة في الثقافة العراقية المعاصرة ". وقال فيصل لعيبي ان ما طرحه فلاح هاشم وهو يقدم للأمسية يمتلك التشخيص الصحيح لمكانة جواد الذي قد : "  رفض  الثقافة الملفقة ودعا الى ثقافة أصيلة لا تنقطع عن الجذور ولا تغلق بابها عن الجديد في الفكر الإنساني المتنور .ثقافة  "أصلها ثابت وفرعها في السماء"  ، لقد جعلنا جواد ورواد الحداثة في بلادنا ، قادرين على إنتاج ثقافتنا الوطنية ، بعد أن كنا نستهلك ثقافة الغير و نعتاش عليها .

يمتد خيط الخلق والإبداء لدى جواد، منذ إنشغاله في المتحف العراقي القديم بتكليف من المربي ساطع الحصري ، ففي تلك الأوقات الباهرة أدرك جواد عمق المهمة التي تنتظره في هذا المعبد الإبداعي لفناني بلاد ما بين النهرين الأوائل ، هناك أخذ جواد يزيح التراب عن جبين كوديا حاكم لكش وعن كتف دودو الكاتب ، وراح يوسد تماثيل العراق القديم أرضية المتحف وكأنه يوسد أحد أفراد عائلته ، يتأمل ذاك البهاء ويغور في عمق تلك العيون، ملاحظاً بحساسيته المرهفة النسب الجمالية والتشريح المتميز وكذلك المقاييس المخالفة لمقاييس الجمال الغربي .

كانت خطوته الأولى في هذا الإتجاه : منحوتة : البناء ، التي وصفها بشكل عفوي وحمّلها أربعة إتجاهات : فرعونية -آشورية - غوطية وإسلامية ، في آن واحد .

كانت قطعة البنّاء ، أول عمل فني ناضج ، يملك مقومات الفن المحلي في العراق ، لقد استوحى القطعة من ملاحظاته للأسطه طه البناء الذي رافق مسيرة جواد منذ الطفولة ، فحاول الإستفادة من الفن الآشوري والفرعوني والغوطي وحتى الإسلامي من خلال القوس البارز في القطعة، لكنه دون وعيه جسد  الروح العراقية فيها، فهي نموذج حديث للنحت الإشوري الذي يتميز بالقوة والمتانة ".

وكان فيصل لعيبي يدعم حديثه بعرض لوحات واعمال جواد النحتية على الشاشة الكبيرة ويعرض ايضا صورا فوتوغرافية تمثل الحقبة الزمنية التي عمل فيها جواد وصورا تجمعه مع زملائه الفنانين وواصل فيصل قائلا:

"يأتي الواسطي ، كطفرة ثانية لجواد ، نحو التراث الوطني لبلاد ما بين النهرين ، فتلعب الصدفة هنا دور الدليل، وتتكحل عينا جواد برسوم الفنان يحيى بن محمود بن يحيى بن كورويه الواسطي الذي زين وخط مقامات الحريري في النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي ، ويقف الحصري مرة أخرى وراء هذا التوجه ، حيث يطلب من الفنان الكبير عطا صبري ، بتكبير بعض رسوم الواسطي للمتحف .

يذكر الفنان إسماعيل الشيخلي ، أن جواد قد تلقى رسالة من فرنسا عليها طابع بريدي فرنسي للوحة الفنان يحيى الواسطي ، بمناسبة إقامة معرض الفن الإسلامي آنذاك. وهناك تفاسير مختلفة لما آل أليه أسلوب جواد سليم ، لكنها تتفق جميعها على جدية جواد في بحثه عن أسلوب يمثل فنون بلاد وادي الرافدين ، مع إصرار على ربط كل هذا بالعصر الحديث.

لقد تم التأكيد على هذا المنحى ، لفن جواد قبل أن يسافر الى بريطانيا لإكمال دراسته ، التي أنقطعت بسبب الحرب العالمية الثانية وقتها، فذهب الى هناك وهو ممتليء بطاقة فنية محلية بعيدة الغور .

من المهم هنا التوقف عند الدور المبالغ فيه الذي أعطي لبعض الفنانين البولونيين ، في بلورة وعي الفنانين العراقيين ، والتي ذكرها العديد من كتاب المقالات الفنية في العراق ، حيث صوروا هذا الدور كالملهم للفنان العراقي الذي بدا وكأنه غير قادر على متابعة ما يجري في العالم من تطورات فنية وبالذات الحركة الإنطباعية ، خاصة وأن معظم الذين تكلموا عن ذلك ، قد تناسوا أن الفنان أكرم شكري قد عرض لوحته الشهيرة : ضباب في لندن ، قبل وصول البولون للعراق ، وبالتحديد في المعرض الذي اقيم عام 1936  ".

كان حديث فيصل لعيبي عن جواد شيقا سلسا تابعه الحضور بشغف وكانت الصور تكمل سرد فيصل لتروي حكاية جواد الذي قال عنه في ختام حديثه : "لقد جمع جواد فن التشكيل في شخصه بكل معنى الكلمة ، فكان نحاتاً ورساماً وخزافاً ومصمماً  إضافة لإهتمامه بفنون أخرى، كالموسيقى والشعر والمسرح والسينما ، إذ كان جواد أقرب الى الموسوعي منه الى المختص بفن واحد ، وقد ساعدته إقامته في ثلاث بلدان على توسيع دائرة إهتمامه ". وخلص في الأخير  الى القول باستنتاج مهم يؤكد أهمية جواد أذ قال: "يمكن إعتبار نصب الحرية لجواد خلاصة فنه ورسالته التي أراد أن يوصلها لنا نحن العراقيون وكذلك للعالم ، ويعد هذا النصب من أهم نصب العالم في القرن العشرين ، فهو بمصاف الجورنيكا وجداريات ريفيرا المكسيكي وغيرها من الأعمال العظيمة لفناني العالم بكل العصور ".

بعد ان انتهت مداخلة  فيصل قرأ الفنان فلاح مداخلة الفنان والناقد التشكيلي علي النجار التي أرسلها للأمسية من السويد حيث يقيم لتعذر مجيئه معنونا اياها بـ "التلميذ الأفتراضي لجواد" جاء فيها :

 " نصحني جواد بالمواظبة على حضور حصته حتى لو اضطررت إلى القفز من على سياج المعهد القريب خلسة. كان المرحوم مخلصا لمتابعة نتائج المختارين من طلابه، دمثا في تعامله مع الكل. أحيانا ما أتسلل من خلفه وهو يناقش أو يستعرض مشروع أو قطعة فنية مع صديقه المرحوم أستاذ الألوان (فائق حسن). بعدها ساهمت وجمع من الطلاب والتدريسين بتشييع جثمانه في وداع مهيب حتى مثواه الأخير في مقبرة الأعظمية، لأفتقد وداعته مبكرا وللأبد، ولأكتشفها في جزء من تماثيل نصب الحرية، حيث غلالة رقيقة تغلف جسد الفتاة الطبيعة".

وعن انطباعاته عن استاذه كتب علي النجار يقول:" ماذا تعني لي هذه الذكرى وانا اراقب جواد سليم في حصة النحت حيث كان يراقب مراحل بناء منحوتات طلبته عن كثب، ثم ليأخذ جولة خاطفة يعطي خلالها بعض ملاحظاته، ليس لأكثر من طالب او اثنين، متجاهلا الآخرين. لقد كان مقتصدا حتى في ملاحظاته، ليس بخلا بالمعلومة، بل بمن يستحقها وهو الذي يبحث عمن يخلفه في هذه الصنعة الفنية الإعجازية. وكنت اتلصص على نحت له لبورتريت(جوزفين) الطالبة الجميلة في الصف الأعلى وهو على قاعدته على وشك ان يكتمل وهمس من قبل أحدهم بأنه بنى البورتريت (الرأس) على جمجمة تخيلها مناسبة لقياس قسماتها. وكانت بالنسبة لنا نحن  المستجدين تمثل اعجازا في ذلك الوقت".

 وبعد ان يأتي الناقد النجار على منجز استاذه جواد وبحثه الدائب ومكانته بين زملائه الرواد فيقول: "اليس هذا التنوع الاسلوبي، هو نفسه ما نجده في نصب الحرية، لكن بطريقة أخرى، حيث رقة النحت الإيطالي وصرامة وثقل الإنكليزي، ومحاولة محاورة الإرث الرافديني، فمن غيره يجمع بين كل هذه الـتأثيرات المختلفة بوحدة اسلوبية لا تخطئها العين. فان كانت رسومه تمارين على اجتهادات لا تخلو من التأثر والتأثير في منطقة الرسم وحدها، ونادرا في منطقة النحت كتخطيطاته لمنحوتاته. فهو إذن مدرك للفروق ما بين الصياغات النحتية وأساليب الرسم. وهذه دالته. يكفي أن نعرف بأن خيرة نحاتي العراق تخرجت من بين يديه وزينت بغداد بأنصابها: محمد غني، ميران السعدي، إسماعيل فتاح الترك، عيدان الشيخلي، طالب مكي، نداء كاظم، وغيرهم. واعتقده لو كان يدرس الرسم، لما اختلفت نتائجه، عن تدريسه للنحت بالنسبة لطلبته، ما دام مسكونا بالفعل الفني وجريئا في التجريب والابتكار مع ما يحمله من ثقافة فنية وبيئية محلية. جواد أيضا تحول لأمثولة في تعاطي النحات للرسم بكفاءة سواء في مواسم معينة أو حينما تدفعه الضرورة التعبيرية. كما النحات محمد الحسني وإسماعيل الترك مثلا". 

كان الفنان يوسف الناصر المتحدث الثالث في الأمسية وأثار في مداخلته موضوعة مهمة جديرة بالأنتباه حيث ذكر: " ان جواد سليم تعرض الى مقدار كبير من سوء الفهم مثلما تم استغلال افكاره و توصلاته الفنية المميزة لتحقيق غايات بعيدة عن ما كان يدعو اليه ويحاول تحقيقه ، فقد رأى كثيرون من زملائه وتلاميذه والذين كتبوا عنه فيما بعد ان فنه مثّل محطة التقى فيها الحاضر بالماضي وانتج نوعا من صياغات جاهزة لما اصطلح عليه ( ربط التراث بالمعاصرة ) ، مؤكدين على الطبيعة الشكلية لبغداديات جواد ومتناسين ان توصلاته انما هي رؤياه الخاصة به والتي لا تصلح لغيره ، ومهملين تجربته الشعورية والروحية العميقة ".  وطرح الناصر مقاربة بين ما فعله السياب بالشعر العراقي وبين ابداع جواد وأكد على تشابهمها فقال:" ان فن جواد سليم لا يمكن حصره في كونه مجرد صياغة فنية ويجب ان ينظر اليه باعتباره طريقة للرؤية واداة لتحليل الاشياء والمحيط ".

واضاف :"ان الماضي الذي سعى جواد للاتصال به وتجسير الهوة معه لم يكن ماضي البطولات والامجاد والحروب ، الذي سيقت باتجاهه افكار الفنان النبيلة وافكار جماعته الرواد الاوائل ،  بل كان ماضي الجمال الذي يصبو اليه الانسان المسالم المتحضر . واكد على ان الفهم القاصر لدور جواد او التحريف المتعمد لأفكاره ادت الى سجنه في بيت الماضي الذي اعاد هو بناءه كمحطة في طريقه نحو عالم مفتوح وبلا قيود ، اذ ان جواد سليم لم يرد ان يبني مدرسة عراقية بأسوار عالية ليعزل العراق والفن العراقي عن العالم ، انما كان عالمي الافق واسع المدى اراد ان يضع بين يدي الفنانين العراقيين لغة جديدة لمخاطبة العالم ".

وبدعوة الفنان يوسف الناصر  الى:" اعادة دراسة فن جواد سليم وتشكيل حلقة دراسية بحثية من فنانين ونقاد ومؤرخين لما في ذلك من اهمية كبيرة للفن العراقي وخصوصا في الوقت الحالي الذي يشهد فيه تراجعا وانحدارا لم يشهدهما  في اي وقت سابق من تاريخه" ، أختتمت الأمسية لكن هذه الدعوة فتحت شهية الحضور ليقدموا مداخلاتهم التي أثارت أسئلة مفتوحة على أجابات لم يدع اي من المحاضرين وجمهورهم انها نهائية بل هي مشاريع بحثية مستحقة لدراسة مأثرة فنان العراق الخالد الرائد جواد سليم .