تميزت القاصة صبيحة شبر بالأصالة اللغوية ومارست الكتابة على مدى عقود، نحتت في صخر المفردات فأنتجت مكونات جميلة وبراقة، فكان منها مجاميع قصصية وروايات مثل المجاميع القصصية امرأة سيئة السمعة، التمثال، التابوت، لست أنت، ومجاميع أخرى. كما أنتجت العديد من الروايات مثل رواية العرس، فاقة تتعاظم وشعور يندثر، أرواح ظامئة للحب، هموم تتناسل وبدائل وغيرها.
في مجموعتها القصصية "غسل العار". رسمت الكاتبة صورة من صور الظلم الاجتماعي للمرأة العراقية والعربية بشكل عام. لقد امتلأت الملفات الطبية بقضايا غسل العار، وقد اقتطعت القاصة فحوى هذه القضية وكشفت عن قطبين متناقضين، القطب الأول يمثله رواد الحضارة الأسوياء، والقطب الثاني يمثله رواد العرف الاجتماعي السقيم، وإلى جانب القطب الأول يقف الوالد والفتاة المتهمة، حيث لا شائبة في سيرة حياتها، أما رواد القطب الثاني فيتميزون بأمراض اجتماعية ونفسية تنفجر في لحظة فتقضي على الفتاة البريئة، وهذا ما يحدث دائماً في المجتمع العربي، إذ ينتصر المد السلبي فيُغرق الجميع.
كان التوازن اللفظي متميزا في القصة وأعطى صوراً شفافة للأحداث الدرامية المتصاعدة بهدوء.
وتأتي قصة "الانتحار" لتبين النقطة الأشد ظلاماً في حياة المرأة العربية وهي العلاقة مع الرجل. ويظهر جلياً أن المعاناة الكبرى لا تخص الأم فقط بل يأخذ الأبناء جانباً مهماً من المعاناة بسبب تخلخل العلاقة وعدم توازنها في العائلة العربية، وتكثر حالات الانتحار لدى المراهقين بسبب التأزم العائلي والذي يشكل السبب رقم واحد في أسباب الانتحار لدى المراهقين في العائلة العربية. لقد عانت الأم هنا عن نفسها وعن ولدها وتُوجت معاناتها بانتحار الابن. لقد وضعت القاصة الرجل في قفص الاتهام في كثير من قصصها وكانت هذه القصة من أبرزها.
أما قصة "التهديد" فقد تميزت بوصف دقيق لحالة العنف المجتمعي في العراق الوطن الذي احتضن هذه القاصة واحتملت دمويته بحب، وذكرت دائماً أن لا بديل عن هذا الوطن، لكنها بالمقابل جعلت قلمها كفنار يضيء ظلام الشارع العراقي، كان مكان القصة محدوداً وهو سيارة الأجرة، لكننا وجدنا فيه متسعاً لساحة العنف والرعب في بغداد حيث كان بطلا القصة يعيشان حالة رعب مألوف لأي فرد عراقي لكن الجانب الآخر وهو مثير للتهديد والعنف، هو وجه مثالي ونموذجي ومتداول لكل ممارسي العنف في المجتمع العراقي. لقد أظهرت القاصة أردأ وأسوأ ما في الشخصية العنفية وهي شخصية السائق، وقد يكون هذا السائق هو رمز أدبي للكثير من القادة السياسيين الذين لم يمنحوا شيئا للفرد العراقي سوى التهديد والرعب. أما الرمز الآخر الذي استخدمته القاصة فهو ترك الرجل والمرأة سيارة الأجرة ونزولهما إلى بر الأمان مشياً على الأقدام وكان هذا ما فعله آلاف المهاجرين حيث عبروا الصحارى والجبال ليصلوا إلى بر الأمان.
في قصة "الثرثارة" فصّلت القاصة وحلّلت مشكلة تكميم الأفواه وانعدام حرية الرأي لأن البطلة كانت امرأة اتُهمت بالثرثرة. لقد عانى المجتمع العربي من مشكلة الرأي والرأي الآخر حيث يسود الرأي الواحد ولا مكان للمعارضين فهم على الأكثر متواجدون في السجون أو مستشفيات الأمراض العقلية أو ربما في المقابر الجماعية. كان دور المرأة لدى القاصة صبيحة هو دور ريادي، حيث أعطتها القدرة على الانتقاد وعلى التغيير، لكن المرأة في النهاية هي الخاسرة إذ يُسلط المجتمع قوته الذكورية عليها وبالرغم من هذا تبقى المرأة هي القطب الفاعل.
في قصة "الشرنقة" تصف القاصة مظهراً آخر من مظاهر العنف البوليسي في المجتمع العراقي، حيث يشم رائحة احتراق البيت العراقي، وتقع المرأة هنا أيضاً في موقع الاتهام بسبب السلطة لكنها هي الشاهد والمتهم معاً وهي الضحية أيضاً، ولكن لا رحمة ممن يقاضيها وهنا يفقد القضاء المنطق، فلا منطق في الحياة المجتمعية العراقية الآن.
تبدع القاصة بوصف حالة المرأة المحاصرة وتضع رموزاً كثيرة لاحتراق البيت العراقي حيث الكل متهم.
أما في قصة "الهاربون" تصف القاصة الخط التصاعدي المختلف ما بين الخير والشر، المستقبلي والسلفي، الواعد والمنهزم، وقد وصفت القاصة وصفاً مُسهباً للمد المنهزم وكان الوصف ضمنياً استخدمت فيه القاصة لغة الإشارة والإيحاء لتثير مخيلة القارئ.
أما قصة "بائعة الورد" فقد كان لها تميز واضح من بين القصص، حيث اختلطت رائحة عبق الورد مع رائحة الظلم الاجتماعي للمرأة، وانحازت القاصة أيضاً إلى جانب البطلة، حيث أظهرتها في قمة الجمال والحنان والمنطقية والسمو النفسي والالتزام الاجتماعي، ثم ألقت الضوء الخاطف على شخصية الرجل القرين، بحيث لا يملك القارئ إلا أن ينحاز مع شخصية البطلة التي تقاتل في مساحات مختلفة، لأجل لقمة العيش والرعاية الأسرية والطموح لحياة جديدة. لقد أبرزت القاصة أجمل ما في نفس المرأة بائعة الورد وأسوأ ما في الذكر العربي، حيث أظهرت القاصة معاناة المرأة العاملة مع زوج يبتزها شكلاً ومضموناً، ومع طموح هذه المرأة لتغيير مسار حياتها لكن التزامها الأسري يقف حجر عثرة أمام إمكانية التغيير.
في قصة "دعوة" تتقمص القاصة شخصية طفلة صغيرة ومعاناتها لتهميشها من قبل عائلتها، وهي تضع نموذجا شائعا للطفولة العربية المعذبة، حيث تكاد مرحلة الطفولة أن تكون ممسوحة من تأريخ حياة الفرد العربي ذكرا كان أم أنثى، فبالإضافة إلى التهميش يعاني الطفل القسوة المجتمعية ولا مكان للطفولة لدينا نحن العرب، فكل ما يحمله الطفل من تميز وإبداع ونبوغ يُقبَر قبل أن يُزهر ويصبح الطفل المعاني الأول في العائلة العربية. استطاعت القاصة أن تصف مشاعر الطفلة وصفاً دقيقاً وكأن الطفلة قد أسقطت مشاعرها في قلب القاصة فنطقت عنها، ويستحق الطفل العربي أن نتحدث عن معاناته لأنه لا يمتلك قدراتنا في التعبير، كما تُظهر القاصة هنا ذاتية الفرد العربي البالغ في تعامله مع الأطفال، فهو يغتنم دائماً فرصة إذلال الطفولة وهذه ظاهرة عامة مدانة من قبل الكثير من علماء الاجتماع العرب.
أما قصة "من يسرق الأكفان" لقد كان الوصف فيها جميلاً لحياة العجوزتين وعملهما الدائم لأجل الحياة والموت، فهما يعملان لأجل لقمة العيش ولأجل رداء الموت، فقد وضعت القاصة القارئ لكي يبحث معها عمن يسرق أكفان العجوزتين وقد يضع كل منا نهاية يختارها، لكني أعتقد أن المغزى الأصيل لهذه القصة هو العمل الدؤوب لهاتين العجوزتين لأجل الحياة ولأجل الموت معاً حيث لا انفصال بين عملية الحياة والموت، أما من يسرق الأكفان فلم يستطع أن يوقف المرأتين عن التفكير بالموت والاستعداد له، وربما كان هذا السارق يقدم خدمة مجانية للمرأتين بعلمه أو بدون علمه لدفعهما إلى الاستمرار في العمل والحياة.
أما قصة "كاتم الصوت" فهي قصة ذكية تصور محاولة إلغاء الفرد للآخر تبين فيها القاصة الفرق الدقيق بين القاتل والمقتول، فقد يموت القاتل بسلاحه والكل مقتول هنا، وهو تعبير واضح للجو العنفي للبلد الذي تنتمي إليه القاصة، حيث تحاول أن تكشف الستار عن كل مظاهر العنف وتضع حلولاً رمزية وتسمح للقارئ أحياناً أن يضع الحلول معها، فمساحة القاصة دائماً عريضة يتحرك فيها أبطال إيجابيون وقد يخسر هؤلاء الأبطال لكن هناك مساحات من الأمل ترمز إليها القاصة أحياناً.
أما قصة "مبادلة" فقد كانت برأيي موظفة لتبيان قمة الشراسة المجتمعية التي يمارسها الرجال والنساء معاً، والقاصة تعكس واجهة رحيمة وإنسانية لكن المضمون الحقيقي يسير متصاعداً نحو أقصى القسوة والشراسة وحب الذات والتملك، وهنا تقع الخادمة اليتيمة بين فكي وحش شرس في مضمونه ويقع القارئ في فجوة ما بين الكلمات الناعمة لسيدة المنزل وهدفها الشرس في القضاء على الخادمة المتبناة وسلب آخر ما تمتلكه وهو جسدها وتصل القصة إلى قمتها حين تفصل السيدة أجزاء جسم الفتاة ليكون لها، وتقع الفتاة هنا في صفقة خاسرة تماماً.
في قصة "العار" تصل القاصة إلى مستوى درامي رائع حيث تنتقل ما بين لهيب المجتمع الغاضب وما بين الذكريات العذبة للمرأة المتهمة بجلب العار وينتقل السرد ما بين الغضب والحب والرفض والقبول، وما بين الأنا والنحن، وتشم من الأداة الدرامية رائحة الورد والدم، وتشم أيضاً أقصى الباطل وأقصى الحق. لقد صورت القاصة البطلة وهي في بؤرة العذاب والحب معاً ولم تكن مساحة الحب واسعة، ولا غرابة في ذلك فالعاطفة هي على رأس قائمة المحرمات وربما راعت الكاتبة الحس الاجتماعي في ذلك، فاختارت اللفظ والفعل بدقة شديدة.
من الملاحظ أن القاصات العربيات وبضمنهن العراقيات اللواتي يعشن في المهجر يطلقن سراح الكلمات في وصف مشاهد الحب لأجل الدقة الدرامية أحياناً أو لأجل إمتاع القارئ وفي أحيان أخرى لأسباب تجارية. وقد لا يؤثر هذا في مستوى العمل الأدبي أن يصف مشاهد الحب أو العنف أو الحزن بأقل المفردات وحسب اختيارات الكاتب ومهارته في دقة التعبير.
تمتلك القاصة زمام ودفة الكلمة، وهي تتلاعب بالجملة الأدبية كلاعب ماهر يمشي فوق حبال رفيعة، وتتحاشى دائماً السقوط. إن استخدامها اللغة السهلة تجعل القارئ يفهم النص بغض النظر عن مستواه الثقافي أو التعليمي وهذا يُحتسب للقاصة ويساعد على سرعة انتشار مفاهيمها. من الملاحظ أن الأداء البلاغي للقاصة هو عالي الجودة وربما يفسر هذا كون الكاتبة متخصصة في اللغة العربية ولذا يندر أن يجد القارئ أخطاء لغوية أو إملائية.
إن المجتمع الذي أفرز القاصة صبيحة شبر هو مجتمع مشتعل انتقل من البساطة إلى التعقيد، ومن السلام الداخلي إلى تصارع المتضادات، وهي في مجتمع المسافة بين الخير والشر ضيقة جداً، يُمارَس الشر فيه كل يوم من قِبل الجماعات والأفراد، ومن قِبل الذكور والإناث، ويسود مبدأ البقاء للأقوى وللأعنف.
سلطت القاصة الضوء على مظاهر الفساد الاجتماعي وكان هناك بقع من ضوء أخضر يُبشر بالخير لكنه كان الأضعف، ولأن القاصة تتبع الواقعية والمنطق فلا يمكن أن تكتب إلا ما ترى وما تحس، ويبقى الأمل موكولاً إلى الغيب. أظهرت القاصة الفئة الأضعف في المجتمع والتي هي النساء والأطفال ووقفت إلى جانبهم وأنصفت الضعف الأنثوي في قصص بائعة الورد، غسل العار، العار.
تتجول القاصة في شوارع بغداد بحسها الدرامي وتلتقط مشاهد من العنف الاجتماعي وتجعلنا نسير في غابة من غابات الأمازون، حيث يأكل الكبير الصغير والقوي الضعيف. وتُظهر القاصة في النهاية بأن الكل ليس قاتل بل هو مقتول، ولا يشمل القتل هنا الكيان الجسدي بل الكيان الروحي.
استخدمت القاصة أسلوب التصاعد الدرامي الهادئ، وقمتها الدرامية دائماً في النهاية، وقد تطلب القاصة المشاركة من القارئ ليضع النهاية معها، وقد تسمح له بأن يسرح بخياله. ومع أنها استخدمت الأسلوب الواقعي لكنها استخدمت أيضاً الخيال الشعري في تصوير الأحداث.
من الملاحظ أن القاصة صبيحة شبر قد تجاوزت مجاميعها القصصية السابقة في مهارة السرد القصصي والأداء الدرامي واستخدام الكلمة الأدبية.