/
/

في كل العالم، وأينما تذهب تطالعك النتائج الى تفرزها المسببات والتفاصيل المجتمعية، فلا تجد مجتمعات دون مشاكل اجتماعية كبرت أو صغرت والتي يدفع ثمنها الاباء والامهات وربما بعض الابناء وهذه مسألة نسبية، فاذا زرت في يوم ما ـ دار المسنين في بغداد الرصافة ـ الواقعة على حافة مدينة الانطفاء العائمة على تلال من الحزن والشجن والاهمال، مدينتنا التي اعطت الكثير وبعثت بأبنائها في ملاذات الغربة شرقا وغربا. أولاد ما زالوا يتذكرون طعم المدينة الأم حيث الدفء والانغمار في الحراك الثقافي والسياسي، فهي مدينة ربما استفزت الكثير من الساسة الذين عكفوا على فعل التهميش القاسي لكنهم فشلوا، حالما تعبر بوابة مدينة المسنين ـ وهذا مافعلته رابطة مبدعي مدينة الثورة في زيارة انسانية الى الدار ـ وتنعطف يسارا حيث الممر المؤدي الى غرف المسنات، تطالعك الكثير من الصفحات البيض التي كتب عليها الزمن والاهل والصحب كلماتهم القاسية، من الشواخص التي تسحبك اليها والتي تشعرك أنك أزاء صندوق كبير وعميق ويحتوي الكثير من التفاصيل والصور التي تفرض عليك احاسيس الغرابة هي "ريتا الروسية" بابتسامتها الجميلة وشعرها الابيض القصير المصفف بعناية وهي تجلس على كرسيها المتحرك امام باب غرفتها، كحارسة باب من ابواب الفردوس، تطالعك النتائج أو الثمن عبر نسوة ورجال يعاني أغلبهم من شتى الامراض، تطالعك الصورة المباشرة للمسكوت عنه، حيث تتفاوت القصص التي أدت بهؤلاء الى اتخاذ الدار ملاذا، بل والتمسك بالبقاء فيه اتقاء لأخطار وضغوط نفسية، وبعضها وقائية ضد الخوف من الوقوع في خانة التشرد وعدم المقدرة على مواجهة اخطار الشارع الذي لا يرحم.. وجدت الكثير من الأمهات اللواتي يعانين عقوق الابناء والكثير من الاباء يعانون ايضا عقوق الاخوة والزوجات والابناء..
اغلب القصص ليست بالغريبة، فقد تناولتها الدراما ولكن تبقى علامة "ريتا" التي ولدت من أب عراقي وأم روسية.. والتي تجيد الحديث بالروسية والانكليزية بطلاقة.. كانت انيقة في كل شيء، ذاكرتها متقدة تحدثت عن امها التي عشقها طالب الدراسات العليا في جامعات موسكو العراقي الوسيم ثم يتزوجان وتصر على المجيء معه الى بغداد حيث الكرادة التي ولدت فيها "ريتا"، وتدرس في مدارس الراهبات، هي اليوم تصارع ضد النسيان، لا تريد أن تنسى الفتى العراقي الذي احبته وتزوجته لكنه فارقها سريعا الى الموت، علقت في غرفتها صورة لها في ايام شبابها، تشبه صور الممثلات الكلاسيكيات.. لم تفارق الابتسامة شفتيها، تعاني من مشكلة في سمعها فقد كنت اوصل اليها اسئلتي وانا اقرب فمي من اذنها... " ريتا " تشبه كثيرا أم مكسيم غوركي. . ليس لأنها روسية، بل لأنها وجدت نفسها تقدم ماتقدمه الأم الغوركية الى مسنات مثلها ـ فهي إذن الاستثناء الجميل في تشبثها بذاكرة طرية وأحلام تجد نفسها فيها وهي تجوب شوارع موسكو الجليدية، وقبل أن تفيق من احلامها تجد نفسها في دار للمسنين في أطراف مدينة الصدر.. وهي تصارع النسيان.

تنزیل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل