ادب وفن

قراءة موجزة في "بقايا نهار" / محمد سعد قاسم

تقدم "بقايا نهار" للروائي الدكتور سعد قاسم الأسدي صورة بانورامية بعين ناقدة للحياة الاجتماعية والسياسية للمجتمع العراقي المعاصر من منتصف سبعينيات القرن المنصرم حتى منتصف العقد الثاني من القرن الحالي بما فيها من قمع سياسي وحروب وحصارات ثم إرهاب وفساد. إذ تكشف الرواية ما حل بالمناضلين الشيوعيين إبان السبعينيات من قتل وسجن وتشريد وما تلا ذلك من حرب عبثية طويلة أزهقت مئات الألوف من الأرواح في الثمانينيات ثم حصار اقتصادي صارم خنق حياة الناس وتركهم يتضورون جوعا في التسعينيات لينتهي الحال الى سقوط العراق في براثن الارهاب ومافيات الفساد والسرقة خلال القرن الحالي.
تكشف الرواية في محورها الرئيس تأثير كل هذه الأحداث على حياة فتاة شابة فقدت والدها مسؤول الحزب الشيوعي في المحمودية بعملية اغتيال دبرها جهاز الأمن للتخلص منه وتحاول أن تجد نفسها في عالم يعج بالشرور من نصب وخيانة وخداع وقتل. وتتابع الرواية تطور هذه الشخصية المحورية من الطفولة حتى النضوج. وفي ظل أوضاع كهذه ، ليس مستغربا أن يضل الأفراد طريقهم ويعانون الكثير من الآلام والعذاب. لكن، كما في الكوميديا الالهية لدانتي، تعمل هذه الآلام على تطهير البشر في الغالب من أخطائهم وضعفهم. فتجعلهم أكثر صلابة وقدرة على التعامل مع الملمات.
تقع الرواية في جزأين، وتحصل أحداث الجزء الأول من الرواية ما بين المحمودية وبغداد أما الجزء الثاني فتحصل أحداثه في إحدى البلدات شمال ألمانيا. ويتوافق هذا التقسيم مع تطور حياة الشخصية الرئيسة في الرواية وهي فتاة طيبة تسمى حنان. فالجزء الأول يغطي حياة حنان في طفولتها وشبابها. أما الجزء الثاني فيغطي حياتها الزوجية وما آلت اليه أوضاعها. وبديهي القول أن الجزأين مترابطان. فما يحصل في الجزء الأول يفضي بالتأكيد الى ما يحصل في الجزء الثاني. ويمكن أن نطلق على الجزء الأول تسمية البذار والجزء الثاني الحصاد. فحين تبذر الخير تحصد خيرا أما إذا بذرت شرا فلا تحصد إلّا شرا.
اعتقد أن الرواية تريد القول ان الانسان صنيعة محيطه تتشكل شخصيته من مجموعة العوامل الاجتماعية والبيئية التي ينشأ في ظلها التي تحدد بالتالي بناءه النفسي. وبذلك لا يمكن فهم الأفراد بمعزل عن فهم مجتمعاتهم. فحنان، الشابة التي أخطأت الاختيار وسببت لنفسها الآلام والمعاناة، هي نتاج مجتمعها الذي يمنع حرية الأفراد عموما والنساء خصوصا وبالتالي يقمع تطلعاتهم وطموحاتهم ويسلب ارادتهم ويتركهم حيارى إزاء ما تواجههم من قضايا أو مشاكل شخصية يتطلب حلها موقفا حاسما. ومن هذا الفهم يمكن النظر الى حنان على إنها تمثل شخصية العراقي المسلوب الإرادة الذي قمع النظام الدكتاتوري السابق إرادته وحوله الى شخص ضعيف لا يستطيع التفكير بشكل سليم ولا اتخاذ قرار حاسم جريء. ولو وسعنا الرمز يمكن القول أن حنانا قد ترمز الى العراق ذاته الذي حرم من نعمة الحرية لعقود طويلة من الزمان مر خلالها بسلسلة من الحروب والحصار الاقتصادي الطويل الذي أطاح حتى بعملة البلد وحرم الناس من القدرة على سد احتياجاتهم فبات البلد ضعيفا مفككا لا يستطيع اتخاذ قرار مستقل بسبب وضعه تحت طائلة البند السابع.
ميزة رواية بقايا نهار أنها تقدم صورة درامية صادقة لتاريخ العراق خلال العقود الأربعة الماضية يتداخل فيها ما هو اجتماعي وسياسي بما هو نفسي وأخلاقي. إذ ينجح الروائي الدكتور سعد قاسم الأسدي في وضع هذه الحقبة الزمنية تحت المجهر لنعاينها نحن القراء عن كثب كما تمكن من شد انتباهنا الى أحداث روايته وإبقائنا مشدودي الأعصاب حتى نهاية الرواية. وعلى الرغم من هيمنة قوى الظلام على المشهد فإن ثمة مشاعر بشرية نبيلة في المقابل قد تبدد بنبلها بعض العتمة المتفشية. فعدنان، ابن المناضل الشيوعي المخلص لحزبه، يقدم نفسه قربانا لحبيبته من أجل ديمومة قيم الخير والمحبة في مجتمع بدا فيه الشر مهيمنا قويا ليس باستطاعة أحد مجابهته. وبذلك قدم دليلا ناصعا على أن الخير لا يموت.

ادب وفن