ادب وفن

الموتود وعين الشمس... (موت صغير) للروائي محمد حسن علوان / مقداد مسعود

يطوّق الروائي محمد حسن علوان نصه الروائي (موت صغير) بحزمة من المناصات ..قد تكون لها : وظيفة / عدالة : الأواني المستطرقة ، فهو من خلالها يبث موجهات شفيفة للقارىء ومن جهة ثانية يتم : تكتيف النص لينبث من خلاله الفهم والإفهام وزيادة في المعنى بالتفاهم / غادامير ..وكل هذه المناصات لها وظيفة تنظيم النص تراتبيا ..وستقوم قراءتي بتنضيد ذلك :
(*) المقبوس من كلام ابن عربي ،بدءا ً بالعتبة النصية الخارجية وإستئنافا بالعتبات النصية الفرعية التي تستقبل فعل القراءة بعد كل مرقمة من المرقمات ..
(*) تتكون الرواية من مرقمات ،أعني كل مسردة لها رقم وتكتمل الرواية بالمرقمة (100) ويكتنز هذا الرقم شحنات صوفية شفيفة
(*) وبعد الترقيم تواجهنا روزنامة بالتاريخين الهجري والميلادي
(*)هناك إحصاء ذاتي للزمان/ المكان ، بشهادة إبن عربي (لم أحص ِ الأيام التي قضيتها في أي مدينة، ولا أظن ذلك تسنّى لبدر. صرنا نتذكرنا ذلك بأشهر رمضان . فقد صمنا رمضانا في حلب وآخر بين القدس والخليل ورمضانا ثالثا في الموصل ../ 386)..
(*) يتسع الفضاء النصي أمميا إسلاميا : إذربيجان – حلب – دمشق – الكرك – إسطنبول - سمر قند - أماسيا - مكة – بغداد -
(*) تتكون الرواية من أثني عشر سفراً وكل سفر مجزء إلى عدة مرقمات
(*) تبدأ الرواية بتوقيت : أذربيجان 610ه/ 1212 ..وفي ص487 نكون في دمشق 1925 أثناء المستعمر الفرنسي وفي ص540 تنقل إلى حماة 1982وفي ص549 تعود إلى زمن إبن عربي وتعود في ص572 إلى بيروت 2012 وفي ص 588 تعود إلى اللحظات الأخيرة من حياة ابن عربي وهي الصفحات الأخيرة من الرواية .
(*)
صوتيا : هي بضمير المتكلم : بن عربي - الخادم سودكين - الشخص الذي يقصد بيت خالته بعد أحداث مدينة حماة – المرأة صاحبة شهادة الدكتوراة بإبن عربي ضمير المتكلم إبن عربي – عبد القادر الجزائري ..وترى قراءتي المنتجة أن هذي الأصوات أقرب للسارد العليم ولا تجاور بينهما وبين الرواية المتعددة الأصوات ..
(*)
بين الفصول مسافة زمنية وأختلافا في جهوية السرد ، الفصل الأول مسرود بضمير المتكلم أما الفصلين الثاني فهو مجتزىء من مخطوطة وبضمير متكلم آخر
*المخطوط في حلب 657ه/ 1259م ..هنا نقلة في المكان والزمان حيث تجري الأحداث بعد وفاة إبن عربي ..(سيدنا قبل ثماني سنوات / 54)..
إذن الرواية تنتظم سيرورتها بالتوازي بين ثلاثة نصوص .
*نص هو زمن الرواية المعيش
*نص هو زمن الرواية المسرود داخل الرواية ويطلق عليه في الرواية (المخطوط) ..
*والنص الثالث هو زمن البحث عبر الترحال عن الأوتاد الأربعة ..
(*)
تختلط أمشاج الرؤيا بتوقيت يقظة الماء المحلوم، لدى إبن عربي وهو على شفا حفرة من موته المائي أثناء التدريب على الماء ، وأثر الإنتشال فالرجفة والبردة والخوف والتكتيف والهصر والتعضيد والإنتفاض وفقدان الوعي سيزجه حلم في أزقة أشبيلية ويحتوي هذا المشهد السردي (77- 80) على نضيدة علاماتية صقيلة كزجاج ..وهناك الرؤيا الكبرى أعني مناكحة الكواكب والتي أعاد السرد صياغتها روائيا (150) وثمة رؤى صوفية تتوالى : 163/ 174/ 193/ 257 / / 439/ 450
(*)
تشتغل الرواية على لحظة أفول الأمبراطورية الإسلامية التي إنشغلت / وإشتغلت على تلميع تيجان السلطة وأستعمال المرتزقة (472) (487)وغلق دائرة الإجتهاد الفقهي والإحتراب بين الفقهاء والمتصوفة .. وهناك إشتغال روائي ثان : هو كشوفات ابن عربي وبحثه عن أوتاده الصوفية الأربعة ، كقارى تحيلني الأوتاد إلى المذهب الشيعي الجعفري الأبواب الأربعة لصاحب العصر والزمان الإمام الثاني عشر : محمد بن الحسن العسكري .. وروائيا هذا التربيع يحيلني إلى نظرية المربع لدى : (صبحي المحملجي) في (الأخدود – الجزء الثاني من مدن الملح – عبد الرحمن منيف )..
وهناك بشهادة قراءتي وربما تكون مجروحة أن الإشتغال الثالث وهو الأجمل ، أعني لواعج الصبابة والأشواق ، وهو المثبت كثريا نص الرواية ( موت صغير ).. وهذا العنوان النصيص
يمتلك قراءتين : القراءة الظاهرة والتي ربما لا تستوقف القارىء ، إلاّ بسؤال معترض : وهل هناك موت كبير حتى يوجد موت أصغر منه ؟! وحين نغوص في أمواه قراءتنا ..سنرى ان الثريا أحدثت بتراً متعمدا لتزيد مكانتها جمالا ، فالعنوان مقبوس من إبن عربي ، ومثبت المقتبس وهو أيضا مبتور من نص أطول للأفلاطون الثاني الشيخ الأكبر سلطان العارفين الكبريت الأحمر: محي الدين بن عربي في سفره الأكبر (الفتوحات المكية ) قراءتي تثبت النص كما جاء في أعلى الصفحة 331 من الرواية : (الحب موت صغير ).. وفي هذا المشغل الثالث تتوهج الرواية ،فقد كان بن عربي منحازاً للمرأة بطريقة مغايرة لسواه فهو ضمن خطابه يرفض مفهوم (العلاقة) ويفضل عليه مفهوم (النسبة)..لأنه يرى في كل موجود جهتيّ : ذكورة / أنوثة ومن هذه الجهتين يصاغ تركيب الكائن وهكذا يرى ابن عربي (الذكورة والأنوثة تحيلان على موجود واحد مركب من نسبتين ،لا تظهر الواحدة إلاّ بحضور الأخرى .مما يمنح الكائن رتبتين مختلفتين ../ 35- نزهة براضة – الأنوثة في فكر ابن عربي /
بن عربي يرى مكة مفتاحاً لأقفاله : (كنت أظن مكة مفتاح الروح الذي سعيت إليه من أقصى الأندلس ../ 312).. فتكون المباغة أن المكين الأنثوي سيوسق الفضاء كله وينير بئر العارف الأكبر ويمتحها فتنبجس مياه عذراء لا عهد للعارف بها وحين يتذوق قطرات ٍ يكون المولع حد الأحتراق ..(أشعلت نظام في صدري مصباحا رأيت ُ على ضوئه زوايا في هذا القلب لم أرها من قبل، أركاناً موحشة ، غرفا موصدة، سراديب تراكمت فيها مشاعر لم يتسن لها أن تخرج إلى الحياة التي أعيشها. )..كأن الأنثى نظام وهبت إبن عربي طاقة الغوص في مغاليق نفسه العميقة .وإطلاق مافي مغاليقه نحو السطح ليرها ويلمسها وخطوتها الثانية تتجسد أن نظام ذاتها سكنت أعماق إبن عربي وصارت زمنه الكلي ..(سكنت خيالي كل لحظة من يومي وليلتي )..
(*)
أزمة المثقف الفقيه المتمرد على النسق المؤتلف : 387/ 389/ 410/ 422/ 446/
والتطاحن المعرفي بين قوسيّ : تزمت الفقيه ---------- شطحات الصوفية .
وبشهادة إبن عربي وهو يخاطب قاضي قضاة دمشق (أنت تعلم أن بين المتصوفة والفقهاء خصومة ../ 557).. وأن للفقيه السلطة المطلقة في الدولة من ناحية التعليمية ..(هذه المدارس التي يربّون تلاميذهم فيها على كراهية المتصوفة والتقليل من شأنهم والتشكيك بعقائدهم ..) أضافة إلى التجاوز على خانقاه الدراويش وشتمهم أو الإندساس بينهم لتجسس عليهم .. وهناك من يمنحهم حريتهم وآخر يستعملهم طائفيا (آوى السلاجقة المتصوفة عن حبّ واقتناع، وآواهم الأيوبيون ليدفعوا بهم أذى المتشيعة ../ 565)..
(*)
هي رواية لحظة مشروطة بأفول حضاري وهذه اللحظة مبأرة / مشخصنة من إشكاليات إتصاليات : المعرفة / العارف -------------------- السلطة المتحصنة بالثابت المتفسخ
ولحظة الأفول هذه لا تنتسب للتأريخ فقط بل هي تشع في راهنيتنا العربية الأسلامية بتوقيت مايجري من تفكيك للخارطة ، إذا ثمة تراسل مرآوي تشتغله رواية (موت صغير ) وهي تنضوي ضمن مصفوفة روائية خلاّقة لثريا من الروايات التي قدمت قراءة حداثية للتاريخ
ومنحته جهوية الآن وغدا منها : أمين معلوف في (ليون الأفريقي ) و(سمرقند) إسماعيل فهد إسماعيل : (الظهور الثاني لإبن لعبون) . رجاء نعمة : (شيطان نيو قرطاج)
وجدي الأهدل في (فيلسوف الكرنتينة ) .مها حسن :( تراتيل العدم )..
*المقالة منشورة في طريق الشعب / 8- 5- 2017
*محمد حسن علوان / موت صغير/ دار الساقي/ بيروت/ 2017

ادب وفن