ادب وفن

طلال حسن.. الطفولة التي لا تشيخ! / نواف خلف السنجاري

يقول برناردشو:»ان العبقرية هي استعادة الطفولة عن طريق القصة»، وطلال حسن بعبقريته الفذة استطاع أن يستعيد طفولتنا مع سابق إصرار.. هذا الرجل اصدر أكثر من عشرين كتابا، ونشر أكثر من مائتي مسرحية للأطفال والفتيان، وأكثر من 10 مسرحيات للكبار، كما نشر كذلك حوالي 1250 قصة وسيناريو ومسرحية للأطفال.. ان عطاء طلال حسن مستمر في التدفق كشلال لا ينضب.. ورغم سنواته التي جاوزت السبعين يبقى طلال حسن يشع براءة، وعندما ننظر في عينه يتجلى لنا النقاء والصفاء، وحين نسمعه يدندن مع نفسه الأغاني الجميلة – كطفل نزق- يتجسم أمامنا الفرح بكل كبريائه. هذا الرجل المسالم، الذي لم يعرف في حياته الضغينة، ولا الغضب، ولم يحقد يوما على إنسان.. ألا يحق لنا أن نحتفي بإنسانيته قبل أن نحتفي بإبداعه وعطائه؟
قد يظن البعض أن الكتابة للأطفال هي شيء سهل ويسير، لكني شخصيا اعتبر أدب الأطفال من أصعب أنواع الأدب، وقد أجاد طلال حسن هذا النوع من الكتابة وأتقنه وأبدع فيه، حتى صار اسمه مقترنا بعالم الطفولة، والبراءة والأحلام.. لكن هذا الفنان الجميل لم يكتف فقط بالكتابة للصغار وانما كتب للفتيان والكبار ايضا، وظل يواكب كل جديد، ويتابع كل المستجدات على الساحة الثقافية، وها هو أخيرا يكتب القصة القصيرة جدا هذا الفن الحديث، والصعب أبدع طلال حسن في كتابته..
عندما قرأت اصداره الاخير «أنا الذي رأى» ادركت كم هو جميل ان يرى الرجل العجوز ظله وهو مازال طفلا يركض وراء الفراشات.. واذكركم كنت سعيدا وفخورا حين كتبت عن طلال حسن، رغم ان ما كتبته وقلته عنه ليس سوى قطرة في بحر ابداعه وعطائه الجميل.
في كتابه «انا الذي رأى» الذي يقع في قسمين الأول معظم قصصه تدور على لسان الحيوانات..
«سنونو- دودة – ثعلب – عصفور – افعى – بلبل – غراب – فيل – نمر – ببغاء – اسد – فراشة – ارنب – دب – ذئب» وتطرح أفكارا. فيقول في قصة «قطرة ماء» ممجدا روح التعاون: «أخذت الصخرة على قطرة الماء انها صغيرة، وضعيفة، فقالت قطرة الماء: نعم لعل هذا صحيح لكن باتحادي مع رفيقاتي نصنع الانهار والبحار والبحيرات». وفي قصة «الدودة»: «وضعت الدودة في قفص، وحين استبد بها الجوع ولم تجد ما تأكله نفسها»، إشارة الى نبذ الجشع والابتعاد عنه.. وتقول الشمعة في قصة «شمعة تحترق»: «لا استطع ان أضيء إذا لم احترق». كرمز للعطاء والتضحية. اما في قصة «بيت البلبل»: «فوجئ بلبل يعيش في قفص، ببلبل قد بلله المطر، يحط على مقربة منه فقال له: مسكين يبدو انه ليس لك بيت مثل بيتي، وبفرح نفض البلبل قطرات المطر عن ريشه وقال: انت محق، فبيتي هو.. العالم كله»، فهنا صرخة ضد القيود وتقديس لعشق الحرية..
انه شيء جديد ورائع ان نطرح افكارا «مرمزة» لكنها ليست «مشفرة» ونترك للطفل ان يشحذ مخيلته، ليكتشف ما نود ان نقوله له بنفسه، فتصير هذه الافكار عبرا وحكما وقيما عليا يستفيد منها الطفل ويسير عليها في حياته المقبلة.
يبدو ان التخصص في ادب الاطفال – الذي يعد من اصعب انواع الادب- متجذر في كتابات طلال حسن، فهو وان حاول كتابة جنس ادبي آخر، لا يستطيع الابتعاد عن لغته التي الفها عبر عقود من السنين، وتواصل معها واحبها واخلص لمفرداتها التي منحها الى عالم الطفولة النقي، حتى عندما يكتب للكبار نحس ذلك الحنين الدافق الى الطفولة والمطمور في لاوعي الكاتب، يبحث له عن منفذ، فنراه يظهر هنا او هناك دون استئذان!
بعض القصص تفيض شاعرية وهي اقرب ما تكون الى قصيدة النثر مثل قصة «لمن»:
لمن يشكو البحر مياهه المالحة؟
لمن تشكو الزهرة الظامئة الغيمة التي لا تمطر؟
لمن يشكو البلبل اغاريده التي تطرب البومة؟
لمن تشكو شجرة الصفصاف اغصانها التي لا تثمر؟
لمن تشكو العصفورة الافعى التي رأتها في منامها تهاجم صغيريها؟
لمن يشكو الطفل الحرب التي أخذت اباه؟
إن ما يميز القصص لغتها البسيطة والمفهومة والتي يستوعبها الاطفال الصغار والفتيان ويستمتع بها الكبار.
القسم الثاني من الكتاب هو الاكثر عمقا، واذا كان القسم الأول حكايات على لسان حيوانات تطرح أفكارا جميلة يحبها الصغار.. فان هذا القسم يتمحور حول «الظل» الذي يمثل الوجه الآخر لحياتنا، وجزء من نرجسيتنا التي تود الخلود والاستمرار، فإن شاخ الجسد وهرم، يبقى الظل طفلا دائم الصخب واللعب، فكما يولد طائر الفينيق من رماده نحب ان نولد من «ظلالنا» فيقول الكاتب في قصة «طفل»: «منذ ان وعيت وظلي طفل، يركض وراء الفراشات والكلمات والجمال، وها اني كبرت وشخت، لكن ظلي ما زال طفلا يركض وراء الفراشات والكلمات والجمال».
قد يكون الظل الذي علق عليه القاص افكاره، هو ابناؤنا وبناتنا الذين نبني عليهم آمالنا ونعتبرهم امتدادا لنا، وجزءاً من بقائنا الذي ننشده حتى في الكتابة! وقد يكون الظل صديقنا الذي يعرف عنا ونعرف عنه كل شيء، وهنا يخاطب الكاتب صديقه جمعة كنجي ويستذكره في قصة «نصيحة»: «رأيت فيما يرى النائم اليوم، رفيقي الراحل جمعة، قال لي: اريد ان اعود الى الحياة، ولأني اعرف ما لا يعرفه نصحته قائلا: لا يا رفيقي ابق ميتا»! ويمكن ان يكون الظل حلما جميلا لا تفسده قذارات الحياة، وتفاصيلها التافهة.. الظل هو خوفنا من الموت والشيخوخة،?هو رعبنا من انفسنا.. الظل هو نقاؤنا الذي نسعى اليه.. هو الكمال الذي ننشده ونسبغه على انفسنا، فلا نستطيع.. فنهبه بكل تواضع الى ظلالنا!
لقد استطاع طلال حسن بشفافيته المعهودة ان يشبع نهم جوعنا الطفولي، وان يملأ مساحات من حياتنا كانت فارغة ومنسية.. وبعيدة، لكنها عزيزة علينا.. الارض القاحلة والمتشققة في عالم طفولتنا المتصحر راوها طلال حسن بنهر كلماته المتدفق الرقراق..

ادب وفن