ادب وفن

القصة القصيرة جدا في العراق بين جميل حمداوي وحمدي مخلف الحديثي / أمجد نجم الزيدي

الريادة
رغم ان القصة القصيرة جدا فن ابداعي قديم جدا، الا انه لم يحقق كامل الاعتراف به كفن سردي الا في سبعينيات القرن الماضي، اذ يرجع الناقد المغربي الدكتور جميل حمداوي في كتابه "دراسات في القصة القصيرة جدا" ريادة هذا الجنس السردي الى العراق، بعد مرور ما اسماها بالكتابات العفوية غير الواعية حيث يقول :"تمتد هذه المرحلة –اي مرحلة الوعي بتجنيس القصة القصيرة جدا- من سنوات السبعين الى يومنا هذا، فقد ولدت القصة القصيرة جدا في العراق على غرار شعر التفعيلة مع بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، حيث اوردت بثينة الناصري في مجموعتها القصصية "حدوة حصان" الصادرة عام 1974م قصة سمتها "قصة قصيرة جدا" ونشر القاص خالد حبيب الراوي خمس قصص قصيرة جدا ضمن مجموعته "القطار الليلي" وقد صدرت عام 1975"، الا ان باحثا عراقيا وهو حمدي مخلف الحديثي في كتابه "مدخل لدراسة القصة القصيرة جدا في العراق" الصادر عام 2005، لم يشر الى هذه الريادة ولا الى قصة بثينة الناصري، وانما ارجعها الى الستينيات والى القاص خالد حبيب الرواي رغم ان المجموعة التي اشار اليها صدرت عام 1977 وهي مجموعته القصصية "العيون"، "نقول ونجزم بانه لامجال لوجود القصة القصيرة جدا في الخمسينيات بعكس الستينات التي برز من كتابها القاص خالد حبيب الراوي" وبات علامة مضيئة في هذا المجال خصوصاً من خلال مجموعته القصصية "العيون".
أرجع الدكتور جميل حمداوي جنس القصة القصيرة جدا الى كتابات تراثية عربية قديمة معتبرا اياها جذرا لهذا الجنس الكتابي اذ يقول "نجد في تراثنا العربي القديم مجموعة من الاشكال السردية النثرية، تقترب بشكل من الاشكال من القصة القصيرة جدا، كالحديث، والخبر، والفكاهة، والنادرة، والمستملحة والطرفة، والاحجية، والكلام، والحكاية، والقصة، والمقامة، واللغز، والآية.. ويعني هذا ان للقصة القصيرة جدا جذورا عربية قديمة، تتمثل في السور القرآنية القصيرة، والاحاديث النبوية الشريفة، وأخبار البخلاء، واللصوص والمغفلين والحمقى، واحاديث السمار.. ومن ثم يمكن اعتبار الفن الجديد امتدادا تراثيا للنادرة والخبر والنكته، والقصة والحكاية واللغز، والشعر، والارجوزة، والخطبة، والخرافة، وقصة الحيوان، والمثل، والشذرة، والقبسة الصوفية، والكرامة"، الا انه ارجع مرحلة التأصيل النقدي لهذا المصطلح الى فترة التسعينيات من القرن الماضي، والتي اصبحت فيها القصة القصيرة جدا احد الفنون السردية، التي يكتب فيها الكثير من الكتاب، وصدرت الكثير من المجاميع القصصية التي تحمل هذا التجنيس.
وما عزز ربما هذا الجنس الكتابي اكثر هو فوز الكندية اليس مونرو بجائزة نوبل للاداب عام 2013، والمعروفة بسيدة الاقصوصة، واعتقد بان هذا الفوز قد اعطى لكتاب القصة القصيرة جدا زخما واعترافا كاملا بان هذا الجنس الكتابي معترف به عالميا ويمكنه ان ينافس على الجوائز الادبية المرموقة، لذلك فهناك امل كبير لدى هؤلاء الكتاب ان يأخذ هذا الجنس الكتابي مساحة كبيرة في الثقافة العربية ومؤتمراتها، حتى يترصن هذا الوجود أكثر ويتعزز من ناحية الحضور وكذلك من الناحية الفنية التي تتذبذب من كاتب لاخر، بمحاولتهم الوصول الى جرف هذا الجنس، او الجنوح بعيداً، الى اجناس كتابية مقاربة ومتداخلة، كقصيدة النثر وغيرها.
• تأصيل المصطلح
مصطلح القصة القصيرة جداً يحيلنا اولا الى ان ما مكتوب ينتمي الى القصة القصيرة، ومن ثم وبفعل وتأثير كلمة "جداً"، نحال الى هذا الشكل الكتابي، او ربما الجنس الكتابي، لذلك فانه يخضع الى كل التوصيفات التي تعتمدها القصة القصيرة، كما في الاشكال السردية الاخرى التي خرجت من معطفها، كالقصة القصيرة الطويلة وغيرها، لذلك فإن مرتكزات هذا الجنس السردي؛ يجب ان تتوفر فيها، ولكن بمميزاتها الخاصة كأسلوب كتابي مغاير، فكل محاولات النقاد لتأصيل هذا المصطلح بالرجوع الى اصله الغربي الذي اخذ اسماء عديدة، منها القصة الومضة (flash story)، او القصة المايكرو (micro story)، او القصة القصيرة القصيرة (short short story)، قادتهم الى ان يتفقوا على تسميته بجنس القصة القصيرة جدا، لذلك بقي هامش الارتباط بالقصة القصيرة قائما، اذ لم يعد الطول فقط هو الذي يمايز بينهما، وانما دخلت هذا السباق بعض الاسس البنائية، كالوحدات السردية او السرد بحد ذاته، اذ يقول حمدي مخلف الحديثي في معرض حديثه عن الاراء التي حددت شكل هذا الجنس "يكاد يكون السرد معدوما في القصة القصيرة جداً". لذلك ومنذ ترجمة فتحي العشري لـ "انفعالات" ناتالي ساروت الى العربية عام 1971، مَثل هذا المصطلح اشكالية تجنيسية، رغم الكم الكبير الذي كتب منذ ظهوره الاول، الذي اسلفنا ذكره، الا انه مازال يمثل اشكالية لدى بعض الكتاب، ان كانوا ساردين او نقادا، وذلك لان الاراء متباينة في تحديد شكل هذا الجنس، اذ ان القصة التي كتبت في السبعينيات من القرن الماضي، ليست هي القصة التي تكتب الان، فهل ان القصة القصيرة جدا تتمايز اجناسيا وتتحدد حسب ما ورد في كتاب "فن كتابة الاقصوصة" ترجمة كاظم سعد الدين والصادر ضمن الموسوعة الصغيرة عام 1978 من خلال وحدات "البناء، الطول، الوحدات، التوكيد، الوصف، المواد، زاوية السرد والعرض، العقدة، المادة"، او من خلال "تقنية التشظي، وتشغيل الاسترجاع، والاكثار من نقط الحذف، وتسريع الزمن، وانتقاء الاوصاف، والميل الى الاختزال والتكثيف والاقتصاد، وتخييب أفق الانتظار، وخلخلة السرد، وتنويع الرؤى السردية، وتشذير السرد، والاستفادة من الفانطاستيك، والشاعرية، والاسطورة، والرمز، والتناص.." التي ذكرها جميل حمداوي في كتابه، وهذه ربما تثير اشكالية قديمة عندما وصفها البعض بانها قصة استراحة او قصة باص، اي انها وكما عبر احد الكتاب "جاءت متلائمة مع عصر السرعة والانترنيت وسهولة امتلاك المعلومة والوصول اليها"، والتي يدافع عنها الحديثي بقوله "القصة القصيرة جدا ليست قصة آنية، ولا قصة باص.. هي قصة لها كيانها الخاص، ولها ذاكرتها المستقرة لدى القارئ، ان كانت القصة القصيرة جدا مكتوبة بإبداع..".

ادب وفن