/
/

 أنشددتُ الى (هسيس الهواء) وهو مجلد شعري من(441)صفحة  يحتوي مختارات شعرية لأعمال الشاعر وكذا  حالي أثناء قراءتي لكتابه السردي( الموجز في الإهانة)  والكتابان قام بترجمتهما المثقف المغربي محمد بنيس وثمة مسافة زمنية بين الكتابين : الشعري مترجم في 1998 أما السردي فقد تمت ترجمته في 2017 والكتابان وصلا  بصرة المعتزلة في شهر آيار 2018 ومن الكتاب الثاني أنبجست محاولتي الجانبية في التلقي

(*)

تسعى التقنيات كلها لأستعمال الإنسان لصالحها من أجل موضعته في نسخة عبودية جديدة،وهذه التقنيات لا تجعله يفلت من أذرعها الأخطبوطية ..إلاّ حين ينام ساعاته القليلة وما يكاد يفتح عينيه  وهو على مخدته سرعان ما يقفز في الواتساب والفيسبوك وقتئذ..تطمئن التقنية على عودة الأولاد الضالين والبنات الضالات الى كنفها..أما هذا النجاح الغريب لثقافة الإعلام، فهو(يكمن في انتاج فكر وحيد، دون تقديم شيء للتفكير/ 31) ..

(*)

بشرّتنا الفضائيات كافة بذخيرتها الحية من برامج ومسلسلات رمضانية والتلفزيون (لا يتطلب مجهودا غير أن يجلس المرء أمام جهازه، ثم يشاهد، وينصت./28) وفاعلية التلفزيون في تضاد مع العقد الاجتماعي الذي ينص (لاشيء يمكن الحصول عليه بدون بذل مجهود ) لكن التلفزيون لايكترث للجانب العقدي، فهو يشترط دون أن يعلن عن مشروطيته التي تتلخص :(أن يكون في وضعية سلبية ويترك نفسه تمتلىء بما يشاهد) يستوقفني نصف هذه الوحدة السردية : يترك نفسه تمتلىء بما تشاهد.. !! هذا الترك/ الإمتلاء : يجعلني أرى التلقي فعلا جنسيا مخزيا بفعل قناعة متلقي الخزي طوعا وليس كرها وما أقوله  يعاضدني فيه برنار نويل في قوله :( من الأفضل معرفة أن الحرمان من المعنى مُصمّم بطريقة وقحة ../28) والتلفزيون لايكتف ِ بذلك فهو يفرمت  ثم ينمط حياتنا بمشيئة أعلاموية: (تجعل المحيط على نمطها لأن عليه أن يشبه الصورَ إن هو أراد أن يقنع ) سياسيا وأجتماعيا وذوقيا في الملبس والديكور ومحاكاة ما يجري  في المسلسلات والبرامج في التحاور اليومي وكل ما يجري يتجسد كصيرورة عليها التطابق مع صيرورة الاستهلاك ...

(*)

مع بداية شهر رمضان الحالي هجمت الفضائيات هجمة شرسة تخلو من ذرة حياء في تعاملها مع المشاهد، فهو مرغم على رؤية الفاصل الإعلاني عشرات المرات في اليوم، فأنت إذا رغبت أن تقضي فترة بعد الإفطار مع عائلتك في متابعة مسلسل جميل بعض الشيء، فبعد كل سبع دقائق  من حلقة المسلسل، يعاد عليك الفاصل الإعلاني التجاري نفسه، يعقبه فاصل دعائي للمسلسلات التي صارت ضمن مسلسلات شهررمضان!!..وبالطريقة هذه فالفضائيات كلها اتحدت تجاريا ودعائيا مثل كل مرة في شن هجمة شرسة على فاعلية التلقي لدى عوائلنا كافة، وبالطريقة هذه سوف تسخر عوائلنا من هذه الفضائيات بطرقها الخاصة فبناتنا ينشغلن بغسل الصحون ثم يتركن المطبخ مع عودة المسلسل ..أو ينجزن ماعليهن من أمور بيتية أما الصغار فيضيقون ذرعا وتفشل محاولاتهم في تصفح الفضائيات عن حيز فضائي لا ينافس سواه في تلويث واستفزاز التلقي لدى المشاهد..!!

(*)

نلاحظ في الفاصل الاعلاني وتكراره المؤذي : وقاحة وشراسة لامثيل لها. القصد الوحيد منها إرغام المشاهد على شراء ما يعرض أمامه، أو الأستمرار في مضايقته نفسيا، بعد صيام في نهار قائظ وهنا ينجح الفاصل الإعلاني في تعميم (الخصاء الذهني) الذي يسلّمه  من خلال هذا التكرار الإعلاني الى (الدماغ الجاهز) ..

(*)

الخصاء الذهني : يشمل ما تقوم به الفضائيات من الإلحاح الفظ على تكرار الفاصل الإعلاني نفسه كل سبع أو عشر دقائق من متابعة المشاهد لفضائية معينة .فهذا الفاصل الاعلاني (قادر على احتلال الفضاء الذهني للبشر حتى يجعل أدمغتهم جاهزة لاستقبال رسائل سياسية أو دعائية / 6- برنار نويل)..أما (الدماغ الجاهز) فهو بشهادة برنار نويل : مصطلح ابتدعه مدير القناة التلفزيونية الأولى الفرنسية الأكثر شعبية في بداية 2000 وفيه يتم تأثيل أتصالية بين الجاهزية وخصاء الذهن، التي تقوم بتعطيل القدرات النقدية،وبالتالي التأمل، لصالح الخضوع للرسائل التلفزيونية ويؤكد نويل:  بقدرما يستسلم المشاهد بسهولة لهذه الرسائل لايعود شيء ينبه وعيه بسبب تدفق الصور، التي تقتحم عينيه، وتقتحم أيضا ذهنيته وتحتلها بتمامها. لاشيء يقلل عندها من سرعة هذا الاحتلال، الذي لا يتوقف عن النمو بتعدّد الشاشات،... التي هي بطبيعة الحال في خدمة السلطات الاقتصادية والسياسية )

(*)

هذه الفضائيات وعنكبوت التقانة تسعي لتجريد حياتنا من المعنى الذي نريده نحن ، فهي تنتج نوعا من الأمالي التقنية وتقوم بتفريغها في ذهنية المواطن / المشاهد. تمكرت السلطة فأكتشفت ( الوسيلة الخفية لأن تحتل فينا أمكنة الدفاع بل وأن نستنفذ حتى طاقتنا ../28) وبالطريقة هذه تحصل على إنسان حسب الطلب . وعلينا أن نعي أن وسائل الإعلام تتقن تمويه أحتقارها للمواطن ولها قدرات فاتكة في تسقيط الثقافة من خلال تصنيعها لثقافة الإعلام وما تقوم به وسائل الإعلام، تفعله الأحزاب السياسية المؤجرة  لخارج أوطانها  ومنها أغلب الأحزاب في عراقنا المبتلى ..وخير دليل:  ماجرى أثناء الانتخابات العراقية قبل أيام من خروقات وتجاوزات وتلاعبات بشهادة شاهد من أهلها في المفوضية وغير المفوضية .و(هكذا يستطيع النظام أن يحط من القيم التي مازال مع ذلك يروج لها) فالنظام يروّج للأنتخابات والديمقراطية وكلاهما في عراقنا من مجاز اللغة، وكلاهما يمقتهما العراقي فهو يعي جيدا أن (مهاجمة اللغة بمكر معناه التحريض على التفسخ المتصاعد لما يضمن، ماهو أبعد حتى من القيم ) ..أيضا وبشهادة برنار نويل( إن الاحتقار لم يعد بعد محصوراً في الإهانة، في الإخضاع، في الإقصاء، بل هو يتمثل في ممارسة جميع هذه الأنواع من العنف بفاعلية أكبر تحت غطاء مناورات أصبحت معتادة للغاية الى حد أن طبيعتها كما أن مفعولها يتمان  من دون أن يفطن أحد بهما../21)

(*)

والسؤال الأهم ماالذي يجعلنا محرومين من المعنى ؟ ولصالح مَن يكون حرماننا ؟ الحكومات العراقية : ضيقة النفس . لاصبر لها للتحاور ومن أجل حيويتها: تنتج مقابر جماعية، تفتعل مؤمرات لتبيد المختلف معها، وحين يضطرب الحال بين مخالبها : تزج بنا في حروب لتتهاوى بيوتنا  وهكذا تحصل الحكومات العراقية على مصدات حصينة من خلال خراب بيوتنا..وإذا لايكفي القتال مع الجوار. فهناك الكواتم ومشتقاتها في شوارعنا وثمة فقه في هذا المضمار من أجل أن :(تبرّىء الدولة على الدوام نفسها باسم المصلحة العامة من العنف الذي تمارسه. وهي بطبيعة الحال، تصوّر هذا العنف كأنه الضمانة نفسها لهذه المصلحة، فيما هو ليس سوى ضمانة لسُلطتها ../64) في القادسية الثانية قاتلنا نيابة عن الأمة العربية بإعلان مدفوع الثمن  ثم ضعنا في رمال الجزيرة دفاعا عن زبيبة والملك ..والآن اصبحت مقاعد من السلطة هي التي تفخننا وتمنح مفاتيح المدن العراقية لمن سوف يغتصب الأرض والعرض ..والأوجع من كل هذا وذاك القتل سهوا.. ثم اعتذار من خلال رسالة تلقى على عتبة بيت المقتول !! هنا يتحول القتل : رياضة القاتل الوحيدة وهذه الرياضة حين نقشرها فسنراها  رؤية برنار نويل(أي فعل إرهابي هو عمل يائس./ 93).. لكن هذا الفعل لايدفع اليائس وحده للأنتحار فهو ينتحر لينحرنا معه في الهواء الطلق الملوث بالتفخيخ ..........................................

.......................... أتوقف عن الكتابة ... اللغة تخذلني ليس بمقدورها أن تصرخ مع أشلاء الأطفال المتشظية المتطايرة، لاتملك اللغة مفتاحا لسيارة تتفحم فيها أجساد الركاب بعد أن أنهكهم الصراخ من النيران والأبواب التي أحكمت إنغلاقها عليهم.. الأزياء في المحلات أحترقت وأحرقت من كان لحظتها في المحل المتشظي الزجاج ..اللغة تستحي فتنكمش مخذولة.. الذي لايستحي هو الإعلام حين يكذب حين يصور الإشلاء وهي تحترق.. لماذا نتواطأ مع البشري في توجيه أتهامنا للوحوش ؟ ونصرّح أعلاميا هذه الجريمة الوحشية !! الوحش لايفخخ الوحوش ولا يخطفها والوحوش ليس لديها مقابر جماعية أو سجون أو ثرامات بشرية على نهر دجلة ولا يغتصب الوحش وحوشا..وحده الإنسان عديم الحياء والرحمة وبشهادة الفيلسوف إيريك فروم (الإنسان يختلف عن الحيوان في حقيقة كونه قاتلا،لأنه الحيوان الوحيد الذي يقتل أفرادا من بني جنسه ويعذبهم، دونما سبب بيولوجي أو أقتصادي ويحس بالرضى التام من فعل ذلك../ 57- ممدوح عدوان)

(*)

الفرق بين التقنية المرئية والمسموعة وشبكة العنكبوت وبين السجن هو فرق في الأسلوب وكلاهما يحرمان الإنسان من المعنى في كلاهما نفقد الخصوصية والتفرد والعزلة المبصرة، في كلاهما نحن تحت كاميرات مراقبة، في كلاهما نحن بلا حرية في كلاهما نحن من المقيمين في البعد الواحد للوجود . وكلاهما يعيداني الى  مسرحية ( حكاية الرجل الذي صار كلبا) وهي مسرحية قصيرة ، ترجمها المبدع قاسم محمد وقدمتها فرقة مسرح الفن الحديث : أتذكر منهم : ناهدة الرماح، صلاح القصب، روميو يوسف، خليل عبد القادر، شاهدتها من تلفزيون بغداد بالأبيض والأسود 1971..المسرحية من تأليف الكاتب الأرجنتيني أزوالد دارغون وهذه المسرحية الحكاية الأولى، أما الثانية فهي(حكاية مرض أسنان) تليها( حكاية صديقنا يانجينو) .. والصيرورة الكلبية سببها أن عاملا معينا يجد نفسه عاطلا عن الخبز، وهنا سيكون (إنسانيا) رب العمل فيشغله بوظيفة كلب حراسة، بعد أن مات كلب حراسة رب العمل.. هنا ستنمسخ الطبائع البشرية بسبب طبائع الإستبداد، سيمشي العامل على أربع ويدحس نفسه في كوخ الكلب ويدرّب حنجرته على النباح.. وحين يلتقي زوجته ويهم بتقبيلها فستتراجع خشية أن تصاب بداء الكلب فالكلب لايحسن التقبيل بل العض..!! نعم أنها السلطة وبشهادة لسيبون ويل (السلطة هي القدرة على تحويل الكائن الحي الى جثمان ومن ثم الى شيء) وحين نقشرّ مابين القوسين سنتساءل مع إيريك فروم أليس هذا هو (الخوف من الحرية) ؟! تبقى الأسئلة عرضة لأنتاج أسئلة وأسئلة

*كيف يتحول الفرد قطيعا؟

* مَن المتسبب في تحويل الوظيفة الى حياة لافكاك منها؟

*كيف أنتقل السجن من السجن الى الشوارع والمؤسسات كافة والبيوت والمتنزهات والنوادي؟

*لماذا الحب الناصع في الهواء يغيض الكل؟ وتحاك ضده الدسائس ويتحد المختلفون لمحاربته ؟

*ماهي العوامل التي جعلت المثقفين يتقاعدون ثقافيا  ويقيمون على مدار الساعة في الفيسبوك؟

*ماهي العوامل التي تحول الشيء العرضي الى ظاهرة اجتماعية ؟

*لماذا يتوجب التشارك في معاقبة الفرد في الرجم وغير الرجم..؟! هل السلطة تشعر بعوز مناعي فتعالج نفسها بالتشارك !!

(*)

كتاب(الموجز في الإهانة) يمتلك كل مقومات تعديد القراءات فيه ..

*برنار نويل ..من خلال

* هسيس الهواء/ ترجمة محمد بنيس/ دار توبقال للنشر / الدار البيضاء/ ط1/ 1998

* الموجز في الإهانة/ نفس المترجم والدار/ ط1/ 2017

*ممدوح عدوان/ حيونة الإنسان/ دمشق/ ط6/ 2016

تنزیل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل