قد يكون التاريخ سجلاً غير آمن، وأحداثه تتحول الى حكايات يصنعها الأقوياء، أو الثوار، أو أصحاب الكتب الصفر، لكن الشعراء يصنعون دائما تاريخا آخر، ليس عموميا، وغير خاضع لمدونات القوة، وأنّ أكثر ما يُميّز هذا التاريخ الاشكالي هو سيولته، وشغفه بالتحوّل، واصطناع ملامح أخرى للقوة والثورة..

صادق الصائغ يمثل مع الشاعرين سعدي يوسف ويوسف الصائغ أهم ملامح هذا التاريخ، عبر نزعاته التجديدية، وعبر انخراطه في سؤال المفارقة الشعرية في مرحلة ما بعد السياب وجيل الرواد. أذ أدرك هولاء الشعراء هاجس المغامرة، وأسئلة التجديد، مثلما ادركوا أنّ التاريخ لعبة، وأنّ القصيدة التي باتوا يطلقون لها العنان هي شفرة التداول في هذه اللعبة، إذ لا مناص من أنّ يحوز الشاعر الجديد على امتيازات المغامر والثائر والمُغنّي والعاشق والكاتب السري للتاريخ..

لذا من الصعب الحديث عن تجربة الشاعر صادق الصائغ دون الحديث عن تاريخية تلك التجربة وعلاقتها بالحراك الثقافي العراقي بدءا  من نهاية الخمسينات وبداية الستينات، وليس انتهاء بعلاقتها بحركات التجريب والتجديد التي استغرقت التحولات الشعرية العراقية، وارهاصاتها للتجاوز والمغايرة..

اسئلة الشاعر الصائغ لهوية القصيدة الجديدة اقرنت بحساسيته إزاء جملة من المؤثرات التي تعرضت لها الشعرية العراقية في مرحلة ما بعد الرواد، إذ وجد الشعراء أنفسهم أمام متغيرات سياسية واجتماعية وثقافية عاصفة، وعند رؤى تحاول أنْ تستقرأ مفاهيم الحداثة وأثرها، وقيم التجديد على مستوى الشكل  والفكرة. لذا كان الشاعر الصائغ اكثر تعالقا بهواجس التشكيل، والبناء الدرامي، بوصفها هواجس تعبيرية، مثلما وجد في القصيدة البصرية أفقه الشعري لكتابة القصيدة الجديدة، قصيدة الاستعادة والتحوّل، وقصيدة الحضور الرمزي من خلال ثنائية الشعر والحياة، أو الغياب والحضور...

الشاعر واللاتاريخ

نزعة التجريب التي انغمر فيها صادق الصائغ دفعته في إتجاه أنْ يكون مسكونا بهواجس متعددة، بدءاً من هواجس التاريخ وأنماطه، وأيقونة السياب المهيمنة، وليس انتهاء بهواجس التجديد، والتمرد والبحث عن أشكالٍ اكثر اغترابا. فهذه الهواجس هي لعبته في البحث عن المعنى، وفي أنْ يكون التاريخ لاتاريخا في الآن ذاته، حيث تشظى التمركز، والبحث عن روح الفرد، والانغمار في الكتابة الحرة، تلك التي يستعيد من خلالها الشاعر رؤيته في مواجهة الزوال/ التاريخ/ الموت، وفي التلذذ بأنوثة اللغة بوصفها وجها آخر للحياة، أو بوصفها بيت السحر الغامر بعالم الأسرار، وبتوهجات  تمثلاته التشكيلية والتصميمية والشعرية..

قصيدة الصائغ الأخيرة هي محاولة عميقة للخروج من روح التاريخ الى روح الفرد، حيث مواجهة الموت، والعزلة، وحيث شغف الحياة يتحول الى شغف للرؤيا، إذ تتسع الكتابة الشعرية الى ما يشبه الاشراق، وتتحول الاستعادة الى ما يعزز(ديمومة الكائن الشعري الذي يساكنه).

 وأحسب أنّ كتابة قصيدة الاستعادة هي التورية المُقنّعة لقصيدة التعالي، قصيدة البحث عن شفرات عميقة للحياة، تلك التي تبدأ من هاجس البقاء/ الوجود/ المستقبل عبر قصيدته المُهداة الى ابنته زينب، ولا تنتهي عند هاجس البحث عن ذاكرة الإشباع عبر البورتهريات الشعرية التي كتبها الصائغ. وعبر قصائده المهداة الى اصدقائه الراحلين( السياب، سركون بولص، سعدي عبد اللطيف، عادل كامل) أو عبر استعادته للأمكنة، واللحظات الحميمة بوصفها امكنة الفرد الذي يعود على الطريقة العوليسية باحثا عن بنيلوب/ المكان، أو بينلوب/ الوجد، أو بنيلوب الحياة..