/
/
/

وأنت تقرأها ستفقد الكثير من يقينك بصلابة عالمك، وستنتابك مشاعر الخوف من محيطك ومحيطيك. كل شيء قابل في لحظة للتحول إلى أداة للقتل. أقرب الناس إليك يمكن أن يكون متورطا في شبكة للتآمر على حياتك. يتعين عليك مراقبة الجميع، وإعادة النظر بعلاقاتك العاطفية والأسرية، وتفحص بأقصى قدر من الدقة والحذر ما يدور في عالمك. موضع خطاك وحدود سمائك.
"زمن منسي" أول رواية للكاتبة أنفال الجبوري، وهي كافية من وجهة نظري لتصنيفها ضمن كتاب أو كاتبات الكوابيس. في حدود قراءاتي فإنها أول رواية عربية، تتوافر على هذا القدر المذهل من الغموض والألغاز، في حبكة بوليسية متقنة، تمسك بأنفاس القارئ من أول سطورها، وتأخذه في أنفاق مساراتها المعتمة ولا تدعه يفلت إلا في بقعة ضوء صغيرة، في نهايتها. إنها تجمع بين الرؤية الكابوس على طريقة كافكا، ومتاهات الألغاز الغامضة والمحيرة على وفق دان براون.
من خصائص هذه الرواية، جملها الخبرية والوصفية القصيرة التي تشبه لقطات فوتو. هي لا تعني كثيرا بالتحليل والتوغل في نفوس شخصياتها لكنها تعتمد على الملاحظة الخارجية الوصفية والحوار في الوصول إلى عمق مشاعرها وانفعالاتها. وهي لا تحفل كثيرا بشاعرية الصياغة، لأنها تنتج شاعرية مختلفة، شاعرية اللحظة والحدث. هذه الطريقة خدمت النص كثيرا. إنها اقتربت به من جمالية الشريط السينمي. لا توجد ثمة فقرات طويلة. لا تدفق وتدافعا غير محدود للكلمات. إنه نص مبني على وحدة الجملة. أعتقد ان الكاتبة توقفت طويلا عند صياغة كل جملة في الرواية، كانت العملية لديها أشبه بالنحت. بهذه الطريقة أمكن احتواء احداث كثيرة ومعقدة وملتبسة، كان من الممكن أن تحتاج إلى نص بمائة ألف كلمة أو يزيد، بنص تجاوز بقليل الأربعين ألف. كما أن هذه الطريقة في الكتابة منحت النص هوية عصرها، عصر ثقافة الصورة. وجعلته أكثر قربا من ذائقة قراء هذا الزمان. ربما كانت نابعة من طبيعة النص ذاته.
في السرد القصصي يشكل الواقع بضغطه المتزايد كابحا قويا للمخيلة، ومعطلا بمنطقيته وقوانينه للكثير من الرؤى والأحلام فيها. يبدو أنه كان لزاما على الكاتبة وهي تتصدى لمثل هذا النص المعقد كي تتحرر من ضغوطات هذا الواقع. فلا جغرافية هنا ولا تاريخ. تدور الأحداث في مدينة متخيلة. لكنها تحمل ملامح مدننا شرق الاوسطية. شخصياتها تتحرك بسرعة وسيولة في أرجاء الكوكب، ومدنه. أتخيل العالم في النص مثل خارطة كرة أرضية مبسطة معدة للأطفال، تحرك الكاتبة فيه شخصيات روايتها بسهولة طفلة تحرك دماها على تلك الخارطة. إلا أن ذلك لم يسئ إلى النص بل أفضى إلى زيادة في جماليته، وقدرته في التأثير، ومنحه بعدا كونيا مهما. أظهر ان الرعب في عالمنا والشر والقتل صناعة كونية مهيمنة.
يعتمد النص ككل النصوص الشبيهة على مبدأ كسر المتوقع. وهيمنة منطق المفاجأة، والمباغتة، والحدث الطارئ، والغموض. في النص تركيز عال على اللا متوقع. حتى في اكثر الحالات بداهة، كانت الكاتبة مصرة على خلق لحظات مغايرة، ومصائر ملغزة ومختلفة. الامر الذي جعل القارئ يحس بالضياع في مسارات الرواية المتعددة، وتهيمن عليه مشاعر الخوف، وربما تملكته القشعريرة، في بعض لحظات النص، وشكوك قاسية تمس حتى صلابة الأرض التي نخطو عليها وتحمل على الجنون. وهذا يعود في جزء مهم منه إلى تقنية تقطيع النص. إنها عملية اشبه بالمونتاج، محاولة صناعة مشاهد قصيرة ولحظية، ذات إيقاع سريع، تزيد من غموضها، وقدرتها على إثارة المخاوف فينا على عالم يتبدد ويتفلت من بين ايدينا.
كما في رواية المسخ لكافكا، تفيق بطلة الرواية على نفسها، في غرفة عارية من الاثاث، جدرانها بيضاء مشوبة بزرقة خفيفة، لا شيء فيها سوى سرير طبي مربوطة إليه بسلاسل حديدية، فيما تحيطها جدران بيضاء مشوبة بزرقة خفيفة. تتلفت يمنة ويسرى، متسائلة من أكون..؟ ولماذا أنا هنا..؟ وما سبب ربط رجلي وذراعي بهذه السلاسل. كانت ذاكرتها ممحوة تماما.
"زمن" وهذا اسمها طبيبة متخصصة في الطب الشرعي، كانت مسئولة عن كتابة التقارير الخاصة بتفسير أسباب حالات الوفاة التي تصل إليها. خصوصا تلك الملتبسة والغامضة. كانت تمارس عملها بأخلاقية مهنية عالية، وحرص على الوصول إلى الحقيقة. كل جثمان يوضع أمامها على المشرحة يمثل لغزا بألف رأس وألف سؤال. كانت تشعر أن روح المتوفى تحلق حولها مطالبة إياها بكشف الحقيقة. كانت تقاريرها، وهي حديثة التخرج لم يمض عليها طويل وقت في وظيفتها، تتسبب بإحراج مديرها خصوصا. لم تكن مدركة بعد حساسية عملها، وما يحيط به من أخطار. في مبنى الطب الشرعي، حيث كانت تعمل، ومن غير أن تفطن تماما إلى ذلك كانت في مواجهة مباشرة مع شبكة عالمية تتخذ من حياة فقراء مدينتها مادة لاختباراتها وفئرانا لتجاربها. كانت خاضعة للمراقبة في كل تفصيل من تفاصيل حياتها. كانت بتقاريرها الذكية، دقيقة الملاحظة، تفضح أخطر أشكال الفساد. فساد ناتج عن تواطؤ بين شبكات الجريمة وبعض زملائها الأطباء، الذين يعمدون في تقاريرهم إلى التمويه على أسباب الوفاة الحقيقية، لتضليل العدالة. بعد محاولة قتلها الفاشلة وفقدانها الذاكرة. أخذت تتكشف أمامها، بالتلازم مع مراحل استعادة ذاكرتها خيطا فخيطا، بعيدا عن اية أوهام أو أفكار أو تصورات مسبقة، خطورة تلك الشبكة وحدودها الكونية، ومديات تغلغلها في مفاصل المجتمع. هذه الثيمة في النص كانت بحاجة إلى مزيد من التركيز، لإبراز مقدار البطولة في موقف "زمن"، بعد أن تكشفت أمامها الحقائق، وإصرارها على رفض التعامل مع كل ما يتصل بالشبكة، حتى طبيبها وحبيبها وخطيبها وحاميها الدكتور حارث، لأنها شعرت أنه كان متساهلا أحيانا مع بعض رموز الجريمة. وفضلت أن تتفرغ لتربية ولدي الدكتورة سهى اليتيمين، واحدة من طبيبات القسم المخلصات لواجبهن المهني والإنساني، وضحية أخرى من ضحايا الشبكة، لتخلق منهما جيلا جديدا من الأطباء، غير المنغمسين على هذا النحو القاتل في مصالحهم، وأنانياتهم، بكيفيات بشعة وفظيعة تتناقض مع رسالة الطب الإنسانية والمهنية والثقافية، وصورة الطبيب بوصفه مدافعا عن الحياة، ومحاربا للألم، ومقاوما لكل اشكال الشر والموت. شبيبة جديدة من أطباء متحررين من العار والمهانة المباشرين للماضي، ومختلفين عن زماننا. إنها مسألة تتصل بالرسالة الأخلاقية لمهنة الطبيب، ولأن الحاجة في لحظتنا المجتمعية والتاريخية بانفعالاتها وتداعياتها تمس كثيرا إليها. إن التواطؤات الآن بين الأطباء وشركات إنتاج الدواء لا تقل خطورة عن ذلك الكابوس. غير أن النص مصنوع وفق سرد يعتمد الجملة اللقطة، ومحكوم تاليا بهندسته المعمارية، وقوانينها التي لا تسمح بأي نوع من ضرورات وإضافات تأتي من خارجه.
لست في النهاية بصدد تقديم ملخص للرواية، ولا يمكن لأي تلخيص أن يغني عن تجربة قراءتها. الوقوع في شراكها، والتوغل في مساراتها المتعددة ومتاهاتها وأهوالها. إنها ليست زمنا منسيا. إنها كابوس يومي يضغط على صدورنا، ويكتم أنفاسنا بشتى الطرق والوسائل. أعتقد ان على الطلاب في كليات الطب الاطلاع على مثل هذه الأعمال الروائية لتضعهم أمام تحديات هذه المهنة النبيلة، والأنموذج الأخلاقي والتنويري والإنساني والرسولي للطبيب، ومقدار التضحيات التي يتعين عليه بذلها في هذا السبيل. إنها ليست طريقا سهلا للثراء، بل هي واحدا من طرق الجلجلة.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل