/
/
/

التناص من وجه نظر بنيوية يعرف على انه أي ظاهرة اجتماعية وسياسية يجب أن تدرس داخل النص الأدبي، لان التاريخ يجتمع داخل النصوص الجديدة.. لذا يعد أدب الحرب جزءا مهما من هذه الرؤية التوصيفية، كونه يسلط الضوء على حقب تاريخية عاشتها الشعوب في ظل ظروف استثنائية وعصيبة ولدت أنماطا حياتية مغايرة للمألوف وفرضت على الإنسان واقعا لا مناص من مواجهته والتأقلم معه سلبا أو إيجابا، وأصبحت فيما بعد جزءا مهما من التاريخ الإنساني.
في رواية "الرقص على إيقاع الغياب" للروائي عادل المعموري نجد مؤلفها قد اقترب من هذا المعنى بصورة كبيرة، حيث لامست روايته عدة تجارب إنسانية مختلفة صهرت في بوتقة الحرب، مستخدما أسلوب الأصوات المتعددة فقد توزع السرد على الأبطال الثلاثة بحسب، أهميتهم من الحدث المسرود، والزاوية التي يطلون منها عليه، ودرجة تأثيرهم وتأثرهم فيه.. فقدم لنا الكاتب رواية "بوليفونية" برؤية أحادية، فلم تخرج آراء وتصورات أبطالها عن رفض الحرب وازدرائها، كونهم ضحايا لها بطرق مختلفة تبعا للظروف التي عاشوها في ظلها، اعتمد الكاتب تقنية السارد الضمني، الذي يعرف جزءا من الحقيقة، وأسلوب الخطاب المباشر للقارئ، لإيصال الصورة والحدث، مانحا نصه كما كبيرا من المصداقية والتعاطف لدى القراء، عبر أمرين مهمين هما :
الأول: جعل السارد داخليا، أي انه ركن من المبنى الحكائي، يروي جزءا من تجربته الحياتية في ظل الحرب وتداعياتها.
الثاني: الواقعية المفرطة في ذكر التفاصيل الدقيقة التي منحت النص بعدا انطباعيا، مثل "ذكر أسماء لأشخاص هامشيين في النص، ذكر تفاصيل دقيقة تمثل جزءا من الواقع الاجتماعي والحياتي العراقي".. لكنها لا تؤثر على سير الأحداث في النص، حيث حمل النص في بعض محطاته انطباعية مفرطة، حد الدخول في تفاصيل حياتية غير مهمة، والتركيز على الوصف والإشارة إلى بعض الأشياء، التي لا تحمل أي تأثير على النص، ولا على قصديته.. لكنها منحته حميمية ومصداقية سعى الكاتب إلى ترسيخها عبر هذا الأسلوب.
تبدأ الرواية بعنوان فرعي "جميلة" وهي البطلة الرئيسة للنص، ثم نلج الرواية عبر منولوج داخلي تعريفي طويل للبطلة، تسلط فيه الضوء على أهم محطات حياتها البائسة، طفولتها ومستواها التعليمي والثقافي، ونشأتها الاجتماعية، وطبيعة العلائق الاجتماعية التي عاشت في كنفها، استخدم الكاتب فيها تقنيات "الاستذكار والاسترجاع والاختزال والقفز عبر عنصر الزمن" وهذه التقنيات تتكرر عبر منولوجات مشابهة للبطلين الآخرين "سالمة ونبيل".
جميلة المرأة المحبطة نتيجة فقدها زوجها في الحرب العراقية الإيرانية، تعاني الوحدة القسرية والغربة الروحية، وعقدة نقص لازمتها منذ طفولتها، وهي شكلها المتواضع، حتمت عليها هذه المعطيات أن تعيش وفق نسق حياتي كئيب ورتيب مع أمها المريضة وأخيها نبيل الهارب من الحرب، والمختبئ في إحدى غرف المنزل، حجم المأساة التي عاشتها جميلة، حولت من سالمة جارتهم الجديدة إلى "قرين" ملازم لها، ترتبط معه بكثير من حلقات الوصل والمشتركات منها:
1-
كلتاهما ضحية لتجربة إنسانية صعبة، آلت إلى الفشل، جميلة فقدت زوجها في الحرب وظلت أرملة تعيش على هامش الحياة ، لا تمتلك المؤهلات لتعيش تجربة أخرى.. وسالمة كانت ضحية لتجربة حب فاشلة مع زميل لها في الدراسة، وقعت فيها في المحظور، لينتهي بها المطاف، زوجة لرجل تتقاطع معه إيديولوجيا، كونه من الكوادر المتقدمة للحزب الحاكم آنذاك ، ويكبرها بعشرين عاما، ويعاني عجزا جنسيا.
2-
كانتا تشعران بالوحدة والغربة والهزيمة والإحباط.
3-
كلتاهما قارئتان ومثقفتان
لذا حاولت جميلة أن تعوض بعضا من فشلها في سالمة، عندما عمدت إلى ربط الأخيرة بعلاقة سرية مع أخيها نبيل، كجزء من حالة تعويض نفسية وجسدية، وقد تجلى هذا الشعور في المشهد الذي يصور جميلة وهي تراقب نبيل مع سالمة، وهما يعيشان لحظات حميمية ساخنة "تمنيت أن يستمر المشهد طويلا فقد راقني منظرهما الذي أشعل النار في جسدي".
ويستمر النص على هذا المبنى الحكائي، عبر إبداء الأبطال آراءهم وتصوراتهم على مجريات الأحداث المحيطة بهم، واستذكار جزء من ماضيهم القريب، ومحاولة توظيف مخاوفهم للحفاظ على سلامتهم لخشيتهم الدائمة من الحرب وتداعياتها.. فقد امتلك أبطال النص الثلاثة وعيا قائما، يقفون به اتجاه أزماتهم النفسية والاجتماعية والوضع السياسي القائم آنذاك، هذا الوعي وقف عاجزا عن إيجاد حلول لمشاكلهم، أو لتحقيق جزء من أمنياتهم ورغباتهم، كونه وعيا مدركا يتعاطى مع الواقع الفج بأدوات الحاضر، لذلك نجدهم على امتداد النص كانوا أناسا عاجزين لا يمتلكون ادنى تصور عن مستقبلهم، وما ستؤول إليه مصائرهم.. وفي خضم أحداث الرواية يُعرج الكاتب إلى صياغة نهاية واقعية، ذات سياق تراتبي، ووضعها ضمن إطار دراماتيكي يتلاءم مع الوجه العام للنص، الذي ساده الحزن والخوف والترقب والحرمان.. يُلقى القبض على نبيل بعد أن يكتشف زوج سالمة سر علاقتهما، وتموت أمه على اثر هذا الحادث المؤلم، ويؤول مصير سالمة إلى المجهول، بعد أن تختفي من بيتها.. لتبقى جميلة وحيدة، تجتر ماضيها الحزين وحاضرها البائس، لينتهي النص كما بدأ.

أهم مرتكزات الرواية

اللغة: كانت اللغة سهلة مرنة سواء على مستوى السرد أو الحوار اللذين استخدم فيهما الروائي، اللغة الفصحى غير المتكلفة أو المعقدة، وحافظ على مستواها تبعا لطبيعة المتكلمين ومستواهم التعليمي والثقافي والبيئي، مع وجود بعض الاستثناءات من خلال وقوع الكاتب بما يعرف عنه اصطلاحا "المطب السردي"، أي أن يصبح الكلام فوق مستوى المتكلم، ونجد الكاتب قد حل في نصه دون إرادته في بعض محطات النص، وهذا ما أطلق عليه الناقد محمد يونس "بالبعد الموضوعي للنص"، أي عندما يكون الكاتب حاضرا في نصه برؤاه وثقافته.. كما استخدم الروائي بعضا من المفردات الدارجة في الحوار، للدلالة على البيئة الاجتماعية التي انطلق منها النص، ولتشكيل صورة ذهنية لدى القارئ، تمكنه من فهم الواقع المحيط بالنص.
الأسلوب: كان نمطيا تقليديا.. أي "هرميا" تميز بكونه متماسكا، حرص فيه الكاتب على عدم ترك أي ثغرة تؤثر على انسيابيته، أو تسلسله الزمني والمنطقي.
العنوان: يعد العنوان نصا موازيا للمتن، ويحمل أهمية بنفس القدر والتأثير، وهو العتبة الأولى التي تعطينا الانطباع الأول والأهم على النص.. "الرقص على إيقاع الغياب" عنوان يحمل بعدا مأساويا، ويعبر عن الواقع الآني الذي عاشه أبطال الرواية داخل حدود علائقهم الاجتماعية، التي فرضتها عليهم الحرب، لذلك نجده قد حمل دلالات حسية، تنطلق بالنص الى فضاءات أوسع واشمل تتعدى حدود هذه الثيمة وحيثياتها، فالغياب شكل هاجسا لكل إنسان عراقي عاش تلك الحقبة، كان معظم الشعب العراقي في حالة انتظار وترقب، فالكل كان ينشد ضالته، التي غيبتها الحرب بشكل أو بآخر.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل