لم تقصر وسائل الاعلام في نقل صور الحروب، عندما تحلق الطائرات الحربية وهي تقصف المدنيين، او لحظة سقوط الصواريخ القادمة من بعيد، او تَقَدُم الدبابات وهي تدوس الحقول بجنازيرها وتهدم البيوت بقذائفها، صور القتلى والجرحى عندما تنقلهم سيارات الإسعاف، فرق الإنقاذ تبحث تحت الخراب عن أحياء او أشلاء الأموات، صراخ الأطفال وبكاء النسوة، اباء يلتقطون السيلفي مع بناتهم او أبنائهم القتلى، نواح وبكاء لا يمكن تمييزه بين امرأة ورجل، أطفال مرعوبون من الخوف لفقدان الأب والأم، توسل الناجين لوقف القتال وتقديم المساعدات.

صور كثيرة تتزاحم في رؤوسكم وأنتم تقرؤون هذه السطور منها تجارب شخصية، او تابعتم حربا عبر القنوات الفضائية، ولعل السؤال الأهم الذي لن يفارقكم هو، ماذا لو كنت انا (القارئ) من تَعَرَضَ لهذا الدمار والموت؟ ولأنني (الكاتب) عشت التجربتين، عشت حرب الحكومة العراقية 1975 ضد المعارضة الكردستانية، الحرب العراقية الإيرانية، غزو وتحرير الكويت، وتابعت حروبا عبر الفضائيات مثل احتلال العراق في العام 2003، حروب إسرائيل على غزة والضفة الغربية ولبنان، حرب الفوكلاند، حرب تقسيم يوغوسلافيا، حرب أوكرانيا، حرب الجيش التركي على حزب العمال الكردستاني، حرب أمريكا في أفغانستان، حرب داعش ضد الشعب العراقي، حرب اليمن، حرب الصومال، حرب تقسيم السودان، الحرب ضد الإرهاب في مصر، الحرب في سوريا، لم أعد اذكر كم من حرب شاهدتها على الفضائيات ولم أذكرها لكم، علما انني لم اصل إلى الستين من عمري بعد. من هنا اسمحوا لي ان أقول ما تشاهدوه على الفضائيات وما تقرؤه في الصحف إنما يعكس ما يحدث في لحظات او حتى في دقائق، اما قبلها وبعدها فهو شيء مختلف، لا تتصوروا كله معاناة، بل حفلات رقص وتجارة ومعامل تنتج السلاح وشعوب تتنعم بالانتعاش الاقتصادي، نسميها الدول المتقدمة، وشعوب تنتقل من الرخاء إلى قائمة دول العالم الثالث.

لا يخفى على أحد ان السلاح سلعة لا تختلف عن غسالة الملابس او معجون الطماطة او الموبايل، كلها تحتاج إلى سوق للبيع، الفرق بين السلاح وباقي السلع ان السلاح يستخدم اما للدفاع وتوفير الأمان، او لخلق الفوضى بالقتل والتدمير. بما ان الأسواق تفتح وفقا لحاجة المجتمعات، أصبح لزاما خلق الحاجة للسلاح حتى تتمكن الشركات المنتجة من بيعه، لكن هذه العملية ليست بالسهلة، لان السلاح غالي الثمن وخطر جدا إذا ما انتشر بدون ضوابط، في نفس الوقت لا تريد تلك الشركات المنتجة للسلاح في ارتداد مخاطره على مجتمعاتها. مع مرور الوقت والتقدم التكنلوجي الحاصل في العالم، أصبحت الفوضى التي تخلق الحاجة لسوق السلاح مسيطر عليها، بمعنى آخر ان القتلة الذين يستخدمون السلاح، يسيطر عليهم وفق خطط مرسومة، لتحقيق أكبر فائدة من انتشار السلاح. في إطار هذه الصورة لن تتمكن شركات السلاح من السيطرة على حكومات دول ومليشيات مسلحة بدون دعم من حكومات دولها، فكان لزاما التدخل بالتخطيط والتنفيذ لصناعة الدكتاتوريات والحركات الفكرية المتطرفة، والتحكم بها وصولا لشن حروب، فتولد الحاجة للمزيد من الأسلحة.

لست أخوض بنظرية المؤامرة، لكن استند إلى حقائق تاريخية، فقد استحدث تنظيم القاعدة بدفع امريكي وبأموال خليجية، محاصرة نظام صدام حسين اقتصاديا، ثم ترك الباب له مواربا لغزو الكويت، اكذوبة حاضنات الأطفال الخدج في مستشفيات الكويت لتبرير تحشيد الجيوش وإخراج الجيش العراقي من الكويت، أكذوبة أسلحة الدمار الشامل في العراق لإسقاط نظام الدكتاتور صدام حسين، الانقلابات المتكررة في السودان بهدف تقسيمها عبر الحروب الأهلية المستمرة، الحرب في اليمن بأدوات يمنية وبدفع إقليمي وعالمي، إبادة اليهود في العالم بعمليات تطهير عرقي، ثم تجميعهم في فلسطين بحجة أرض الميعاد، صناعة تطرف عرقي في يوغسلافيا ثم تقسيمها بواسطة الحرب إلى دويلات، دعم صعود حكومة أوكرانية منحازة للغرب ضد روسيا وافتعال أسباب الحرب، منع الشعب الكردي من حق إقامة دولته القومية، ثم تجزئته في أربع دول، وفي الخفاء تُمنح المعارضة الكردية السلاح بهدف اضعاف الدول التي يتواجدون فيها، الأمثلة كثيرة بعدد الحروب التي قامت حتى يومنا هذا. هناك شهادة توثق هذه الحقيقة قدمها اللواء الاردني المتقاعد فائز الدويري على برنامج مراجعات بقناة الحوار، أشار فيها إلى دورة العمليات المتقدمة التي دخلها في أمريكا، والمعنية بالتخطيط لإدارة الحروب الجارية او المفتعلة، يمكن الاطلاع عليها من الرابط التالي.

https://www.youtube.com/watch?v=0GOZDs2jFmg

كل الحروب المفتعلة تخلف حكومات اما دكتاتورية او فاسدة لا تعبر عن طموحات او مصالح شعوبها، مثلا منذ حرب الفوكلاند لم تأت حكومة تنهض بالشعب الارجنتيني، في السودان لا تزال الانقلابات مستمرة، في العراق لا تزال المليشيات تحكم، في فلسطين لا توجد دولة ولا حكومة، في لبنان حكومات فاسدة تحكمها المليشيات، في تركيا لا تزال حكومة متطرفة تقتل الشعب الكردي، في ايران الحكومة تقتل كل من يرفع صوته معترضا، في سوريا لا يزال الحزب الأوحد يحكم ويقتل مواطنيه، في مصر عاد الجيش للحكم ولن يتركه من جديد، اما المثال الصارخ هو عودة طالبان إلى حكم أفغانستان، باتفاق منفرد مع أمريكا.

هذا يدل ان الحروب المفتعلة لن تنته أثارها بانتهاء الحرب، انما تبقي الشعوب التي خطط لها ان تصبح تابعة مستغلة متخلفة تسودها العنصرية الطائفية والعرقية، يقودها القتلة والفاسدون وتغرق في صراعات مستمرة لا تنتهي. في حين الدول المصنعة للأسلحة المتطورة تكنلوجيا تغرق بنعم الموارد المسروقة، ولا تكتفي بذلك، بل تستفيد من الأيدي العاملة الرخيصة الفارة من دولها بحثا عن الأمان والعيش الكريم. لن تتوقف المصلحة إلى هنا، بل تتمدد إلى خلق بؤر توتر في مناطق معينة من العالم، بالإمكان تفجيرها في أي وقت، اما لتأديب من يخرج عن الطاعة او لضم دولة أخرى إلى قائمة دول العالم الثالث، مثلما ترتب على صناعة تنظيم داعش في العراق وسوريا. او خلق حرب تكتيكية الهدف منها استهلاك الأسلحة المكدسة في المخازن، وإعادة تعبئتها بالأحدث، لضمان المحافظة على المواقع المتقدمة في سباق التسلح، وفي نفس الوقت استنزاف طاقات دولة أخرى، مثل الحرب الروسية الاوكرانية. من جهة ثانية فالحروب هي وسيلة عملية لإظهار مقدرة الأسلحة الجديدة على الفتك والتدمير، وطريقة لإقناع وإرهاب لمن لديه المال في شراء الجديد من السلاح، ولا يوجد أفضل مثال من دولتي الامارات والبحرين الصغيرتين جدا، مساحة وعددا، مقارنة بكميات السلاح التي تشتريهما بانتظام من أمريكا وإسرائيل، وحتى تتوفر فرصة لتلك الدول باستخدام حقيقي لما تشتريه من سلاح، في محاولة لإقناع شعوبها بأهمية الشراء، وإظهار قوتها لإرهاب من يفكر بالاعتداء عليها، يصبح من المهم إدخالها في تحالفات تربطها بمصلحة المصنع للسلاح، حتى يصبح اشتراكها بحرب ما مبررا، مثل مشاركة سلاح الجو الاماراتي بقصف داعش في سوريا، وقصف الحوثيين في اليمن.

لو نعطي قضية التسويق مساحة اكبر من الفحص ونعود إلى الصور التي نشرت عن طريق الموت (26ـ27 شباط 1991) بين الكويت والبصرة، وهو مليء بالآليات العسكرية العراقية الفارة، صور الجنود المتفحمة، انصهار الدبابات، جميعها كانت وثائق حقيقية لقدرة السلاح الأمريكي في التدمير، ولا انسى هنا من تدوين شهادتي، عندما كانت الطائرات الامريكية، تعيد قصف الدبابات العراقية في بغداد اكثر من مرة لعدة اسباب، منها تصوير دقة القصف ومقدار الضرر المتحقق كوسيلة للترويج وإقناع المشتري، تحقيق الفائدة لشركات السلاح باستهلاك اكبر قدر ممكن من الذخيرة، ابتداء على حساب الدول الممولة (حينها دول الخليج) وانتهاء بديون تراكمية على العراق، إجبار دول الناتو على استخدام السلاح الذي تشتريه من أمريكا، لتعاود تعويض ما فقدته من خزين، في نفس الوقت تدريب واقعي لجنودها، بدل التدريب الافتراضي، أما قصف ملجأ العامرية (13 شباط 1991) فالجميع تحدث عن استهداف الدكتاتور صدام حسين نتيجة معلومات عن اجتماع للقيادة في ذلك الملجأ، أدى إلى مقتل ما يقارب 400 طفل وامرأة، كانوا يحتمون بالملجأ، لكنني ارجح انه استعراض قوة سلاح أمريكا في تدمير الملاجئ المحصنة. هذا المنظر تكرر في غزة بتصوير القدرة المهولة للسلاح الإسرائيلي في تدمير العمارات السكنية، وهي تتهاوى بصاروخ واحد، فيديوهات تفتح باب البيع على مصراعيه. لم تختلف روسيا في ذلك بحربها على أوكرانيا، عندما صورت تدميرها للسلاح الغربي الممنوح للجيش الأوكراني، وهو ما يفسر إصرار أمريكا بإرسال دبابات ليوبارد الألمانية، بدل دبابات أبرامز الامريكية، خوفا من تراجع سمعتها القتالية امام السلاح الروسي.

في انتقالة إلى استمرار معاناة الشعوب نتيجة الحرب، فكل ما سأكتبه لن يفي الحقيقة التي عشتها وعاشها غيري، لكن سأركز هنا على الآثار الثقافية والاجتماعية. اول المتضررين من الحروب هي الثقافة، لأن الحرب تبعد الرجال عن الحياة الاجتماعية لفترات طويلة، وفي هكذا ظروف تتنازل العوائل عن وسائل الترفيه كخطوة أولى والمتمثلة بالفن (مسرح وسينما ومعرض وكتاب) حتى تصبح الثقافة من اشكال الترف والبطر الزائف، هذا ما عشناه في العراق على مدى الحرب العراقية الإيرانية ومن بعدها غزو الكويت ثم الحصار الاقتصادي. ثاني المتضررين هو النسيج الاجتماعي والعادات والتقاليد، حائط الصد الأول امام التغيرات المفاجئة على سلوك الأفراد. مع غياب الأب كرقيب وضابط لإيقاع العلاقات وشكل النسيج الأسري، ومع تحمل الام مسؤوليات مركبة أكبر من طاقتها، تبدأ التغييرات السلوكية تأخذ اشكال متسارعة وغير مسيطر عليها، حتى تصبح ظاهرة وتنتهي بالحالة التي تفرض نفسها كواقع جديد. بداية الحرب العراقية الإيرانية كان الجار يخجل ان يقيم عرس لابنه إذا كانت الفاتحة منصوبة لاحد أبناء الجيران كضحية للحرب (في السابق اسمه شهيد، اليوم اختلفوا عليه، لأن الحاكم تغيير)، مع مرور الوقت أصبحت الاعراس تقام في قاعات ترفع الحرج عن اهل العريس. عندما كنت طالبا جامعيا نظمت الجامعة سفرة إلى مدينة الحبانية السياحية، في يومها شنت ايران هجوما كبيرا على أحدا جبهات القتال، فألغى العميد السفرة، انزعجنا واعتبرناه تحكم بحريتنا الشخصية، دون ان نفتح فمنا بكلمة، خوفا من الأمن، ولم نُقَدِر حينها ان عراقيين على الجبهة يقاتلون ويقتلون، المشهد تكرر في المانيا ففي ذروة الحرب الروسية الأوكرانية حضر ملعب دسلدورف آلاف المشجعين الأوكران من الشبيبة ضمن العمر المكلف بالخدمة العسكرية، (يقدر عددهم في المانيا وحدها بمئة وتسعين الف أوكراني) يهتفون لمنتخب أوكرانيا، لكنهم يرفضون الذهاب إلى الجبهة لمحاربة روسيا، هذا يعكس التغييرات الاجتماعية والقناعات بالانتماء الوطني، وتغيير التفكير والسلوك، لان كلا المجتمعين غير مقتنع بهذه الحرب، هي لا تمثله ولا تعنيه بالمرة، لأنها حرب الآخر، الطرف المستفيد وهو النظام الحاكم، والدول المصنعة للسلاح.  

الدليل على وجهة النظر تلك ان كلا الشعبين، العراقي والأوكراني، قبل اعلان الحرب، بات الليل وفيه من يخطط ليوم جديد اما الذهاب للمدرسة، او العمل، او إقامة مشروع جديد، او البحث عن علاج، او لقاء الأحبة، او ممارسة نشاط ثقافي او اجتماعي او رياضي، مجموعة من الآمال والامنيات، وإذا بالحرب تطلق صفارات الإنذار، ويبدأ قصف المدن، فتدور عجلة الموت، ويتهجر الناس وتضيع الآمال ويتحول الاغلبية من أصحاب أرض وسيادة إلى لاجئين او وقودٍ للحرب. هذا ما عاشه الشعب الفلسطيني لخمسة وسبعين عاما، بين قتل وتهجير وسلب أراضي وعقاب جماعي وحياة لا إنسانية، هي نفس تجارب شعوب افريقيا على يد المحتل الفرنسي والإنكليزي، ولو عدنا إلى التاريخ هو تكرار للحروب الصليبية والفتوحات الإسلامية، لكن بأسلحة الكترونية. شعوب العالم لا تتعلم، وكان ضحايا الحرب العالمية الثانية البالغ ستين مليون انسان ثلثاهم من المدنيين، لا يمثلون فاجعة رادعة لشن الحروب، ان استمرار هذه الحروب وبهذه الطريقة الممنهجة تعني ان البشرية لا تبالي لقوانين المجتمع الدولي ولا قوانين حقوق الانسان ولا قوانين الحفاظ على البيئة، تلك القوانين التي أتت بعد تجارب مريرة مر بها العالم، والسؤال المهم من يقف خلف تلك الانتهاكات؟ انها شركات السلاح التي تنفق أموالا لو جمعت لعمرت الأرض وقدمت خدمات وابتكارات علمية جليلة للإنسان، لن تبقي جائعا على وجه الأرض.     

عرض مقالات: