اعمدة طريق الشعب

لا أسمع .. لا أرى ..لا أتكلّم! / عبد السادة البصري

عندما كنت طالباً في الابتدائية أوائل السبعينات أخذني أبي الى أقاربنا في منطقة الجزيرة الثالثة ــ الكباسي ــ في البصرة لزيارتهم. كانوا فلّاحين يسقون زرعهم بالناعور ، فشاهدت حينها ولأول مرّة الحصان الذي يدور معصوب العينين ليرفع الماء من النهر الى السواقي. كان استغرابي كبيراً وأنا أشاهده يدور دون أن يبصر ما في طريقه ، لم أره يتوقف إلاّ حين يطلب منه قريبنا ذلك!
استذكرت مشهد الحصان هذا حينما أمرونا في سجن الرضوانية سيء الصيت وبعد اعتقالنا لمدة سنة وتعذيبنا وتجويعنا مابين عامي 92 ــ 1993 وعندما حُكِمَ بالإفراج عنّا من قبل محكمة أمن الدولة سيئة الصيت لعدم ثبوت الأدلّة ، أن نوقّع تعهداً يقضي بأن نكون صُمّاً بُكماً عُمياً ، وإن إعْتُقِلنا مرة أخرى سيتم إعدامنا بلا محاكمة !
الآن وبعد أن سمعت بما يريده أعضاء مجلس النواب في حال تصويتهم على قرار حرية التعبير استذكرت هاتين الحادثتين ( الحصان والرضوانية )، حيث أنهم إذا صوتوا عليه يسعون الى فرض قرار يقضي على الشعب أن يسير وفق خطٍ واحدٍ معصوب العينين غير مسموح له بالكلام والاعتراض على أي خطأ أو خللٍ أو طلب إصلاح ، بل يتحرك دون أن ينبس ببنت شفة مهما كانت الظروف ، وهذا غير ممكن حتماً ، لأنّ الإنسان ومنذ أن دبّت قدمه على وجه البسيطة لا يسكت على ضيمٍ أو حيفِ أبدا ،بل يتحرك قولاً وفعلاً ليصنع مصيره مهما كانت الظروف والنتائج !
والشعب العراقي معروف بعدم سكوته على الظلم والجور أبداً ، وبنظرة سريعة الى التاريخ الحديث نبصر الانتفاضات والتظاهرات والتضحيات والقرابين التي قدّمها من أجل حريته وكرامته واحترام رأيه وسماع صوته. فمن غير الممكن أن ندور معصوبي الأعين بلا خدمات ولا امتيازات ولا حقوق، والوطن يفتقر لكل شيء !
لهذا فان على كل مسؤول أن ينظر بعينٍ متفحّصة لتاريخ العراق وشخصية العراقيين، لأن العراقي لا يمكن أن يعيش تحت ظروف قاهرة أصماً أبكماً وأعمى ، بل سيثور مهما كانت المحصلات و النتائج !
عليهم أن يفكروا بجدّية وانتماء حقيقيّ للأرض والإنسان وأن يسعوا الى فتح نوافذ وأبواب للمحبة والتسامح وبناء الإنسان والوطن خير بناء ، كي نضاهي الشعوب والأمم بتجربة وحرية قدّمنا القرابين تلو القرابين كي نحصل عليها ، بدلاً من التفكير بقرارات وقوانين تعيدنا الى الوراء وتبث روح الشقاق والطائفية المقيتة وتمضي بالبلد الى الهاوية !
العراقي الذي يحمل كل هذا الإرث والتاريخ لن يكون أعمى وأصماً وابكماً أبدا ، بل يكون صانعاً للجمال والمحبة والحياة تحت أعتى الظروف وأقساها!
أتمنى أن ينتبهوا لهذا !

اعمدة طريق الشعب