شهداء الحزب

إعدام جماعي لعائلة جزعول.. هادي وعادل وسعد وعبلة وملاحقة للآخرين / منعم جابر

يسألنا البعض من ابناء شعبنا ما لكم ايها الشيوعيون والنظام السابق؟ نقول: لقد كان النظام الصدامي المباد يحارب الجميع، شيوعيين واسلاميين وقوميين ومستقلين وحتى من حزبه الحاكم، لانهم لا يتفقون مع المنهج الفاشي للنظام ولا مع سياساته، ومارس ضد الكل سياسة العصا الغليظة والقساوة بحدها الاقصى واعتمد الاعدام والتصفية الجسدية منهجا مما دفعه للحرب على الجيران وكل ابناء الشعب، دون هوادة وطوال اكثر من اربعة عقود من الزمن.
وسأحاول ان اسلط الضوء على ممارسات الفاشية الصدامية على عوائل عراقية كاملة واعدامات بالجملة لإشباع رغبات وطموحات الدكتاتور. ولنا بعائلة آل جزعول الطيبة بعلاقاتها وانسانيتها نموذجاً واضحاً. هذه العائلة من اصول فلاحية تضم خمسة شبان وثلاث بنات، عاشت في بغداد وتميز الكل بالثقافة والمعرفة وحب الخير، ولهذه الصفات الانسانية وجدوا في الفكر اليساري والديمقراطي والشيوعي ملاذاً للتعبير عن افكارهم، ومع بزوغ فجر ثورة 14 تموز عام 1958 وما تلاها كان شقيقهم الاكبر فاضل يخوض غمار العمل السياسي وتلاه في مراحل اخرى هادي المجتهد والمرح عادل والجدّي جدا سعد والطيبة عبلة، اما رعد فحاول ان يتحمل وزر العائلة ورزقها مع ميوله الوطنية واليسارية وتعاطفه مع الشيوعيين.
محاولات الحزب الحاكم لاغرائهم
وكما هو معروف فان الصراعات السياسية والمنافسة دفعت الأحزاب المعروفة يومها الى كسب الناشطين والبارزين في الساحة وتعرض الاعزاء من آل جزعون للضغط للعمل مع الحزب الحاكم يومها (البعث) الا انهم رفضوا رفضا جماعيا، مما وضعهم تحت العين والرقابة، ومع الايام برزت توجهاتهم اليسارية وخاصة بعد اعلان الجبهة الوطنية والتحالف غير الموفق مع البعث الحاكم. وبدأت الاحتكاكات والمنافسات غير المتكافئة، بين بعث بيده السلطة والمال والقوة وشيوعيين لا يملكون الا حب الناس وتأييد الجماهير.
حملات اعتقالات واسعة لإنهاء التحالف
ومع بداية انفراد صدام بالسلطة تصاعد الارهاب الصدامي وحملات الاعتقال والاعدامات تجاه القوى السياسية ومنها الشيوعيون والاسلاميون وكل من له رأي لا يتفق مع رأي (القائد الضرورة) الذي وجد الميدان له فقط ولا مكان الا للطبالين والانتهازيين. وتم اعتقال هادي عبد جزعول الموظف النزيه في المصرف وبعد شهرين اطلق سراحه بعد ان عجزت الدوائر الامنية عن كسر شوكته ولكنه بقي تحت النظر. وبعد ايام اعتقل الطالب المجتهد سعد بحجة ان لديه نشاطات طلابية ممنوعة ولكنه كان عند حسن الظن واطلق سراحه بعد اسابيع واعتقلت المناضلة عبلة عبد جزعول بتهمة تحركات نسوية للكسب لصفوف رابطة المرأة العراقية (علما ان الرابطة كانت متوقفة عن النشاط) وبعد اسابيع من الاعتقال تم اطلاق سراحها، وكان القصد من اعتقال عبلة هو الضغط على عائلتها واشقائها لانها فتاة والتقاليد والعادات لها فعلها في وسط تسود فيه القيم العشائرية.
ثم كانت الحملة الكبرى
ولكن يبدو ان حملة منتصف عام 1979 كانت اختبارية ولجس النبض، وفعلا تميز عام 1980 بحملة شرسة كشر فيها صدام عن انيابه ووحشيته دون خوف وتردد بعد ان سلم نفسه للرجعية العربية ولحلفائها من الامريكان ودول الغرب ليؤكد لهم بانه هو شرطي الخليج القادم والبديل عن شاه ايران المخلوع، وما ان حل يوم 28/ 5/ 1980 حتى تم اعتقال الرفاق هادي وعادل وسعد في يوم واحد حيث خرجوا صباحا الى دوائرهم ولكنهم لم يعودوا، وتواصل البحث والسؤال عن الثلاثة المخطوفين دون معرفة لمكانهم واين هم؟ وكانت عبلة نشيطة جدا لمتابعة اخبارهم دون جدوى وكان لفاضل الاخ الكبير نفس الدور.
في يوم 24/ 1/ 1981 تم القاء القبض على عبلة التي التحقت باشقائها الثلاثة وظلت الأم تسأل في كل مكان وتأمل ان يعود اولادها المقبوض عليهم والقابعون في سجون النظام وكذلك عانى الاب الشيخ من همومه وكان يطالب بعودة عبلة لانها بنت وهو رجل يحترم عادات المجتمع وظل يندب حظه العاثر ولكن الامور سارت من سيئ الى اسوأ حيث تقدمت العائلة للدوائر الامنية بطلب شهادات وفاة ان وجدت او ان يعرفوا وضعهم لان هناك حقوق خاصة بعد ان توفي الاب واصبحت قضية الارث وغيرها ووجود زوجة واولاد لهادي ووجود خطيبة لعادل ولهذا ضوابطه الاجتماعية والاخلاقية.
تنفيذ الإعدام بالشهداء وملاحقة الأحياء
وبعد سلسلة من المراجعات والمطالبات لمعرفة هل هم احياء ام اموات؟ ابلغت العائلة باعدامهم حيث اعدم هادي وعادل وسعد عام 1982 واعدمت عبلة في تموز 1983 ووجدناهم في قوائم المعدومين بعد سقوط الدكتاتور. ولم تستلم عائلتهم جثامينهم الطاهرة حتى الساعة. وبعد ان اعدم النظام هؤلاء الفتية الذين آمنوا بوطنهم وشعبهم وحزبهم تواصلت عمليات المتابعة بحق بقية اشقائهم الكبير فاضل والآخر رعد حيث حاولوا الايقاع بهم. وفي احد الايام داهمت قوة امنية مخابراتية مشتركة بيتهم للقبض على شقيقهم الاكبر فاضل بحجة تعاونه مع المعارضة العراقية والتقائه باحدهم لكن فاضل لم يكن في البيت وقتها وتمكن من الهرب بالتعاون مع بعض رفاقنا والذهاب الى كردستان العراق بالتعاون مع فريق نادي اربيل لكرة القدم واحتضنه الرفاق هناك، علما بأن الجهات الامنية القت القبض على المعارض ابو يوسف وستة من الشباب الوطني التقدمي واحالتهم الى مجزرة الثورة ليحكموا بالاعدام وينفذ بهم فوراً. وكاد فاضل يلتحق باشقائه الشهداء لولا الصدفة وجهود رفاقه.
عائلة مناضلة تستحق الاحترام
يقول فاضل عن اشقائه الشهداء: ان دخولهم سجل شهداء الحزب الشيوعي العراقي يعد مأثرة لا تدانيها جائزة نوبل وكل جوائز السلاطين، وما عداها مجرد تزويقات على هامش الحياة. لقد رفض الشهداء الاربعة ان يكتبوا تعهدا خطيا بعدم العمل في صفوف الحزب الشيوعي، مما اغاظ ازلام النظام ومنظماته الحزبية في المنطقة التي حاولت اذلالهم وكسر جبروتهم.
وكانت للام الصابرة مواقف رائعة وشجاعة بالدفاع عن ابنائها حيث كانت بعض النسوة اللواتي كن يلمنها بسبب عمل ابنائها في السياسة وماذا حققوا او كسبوا؟ فكانت تقول لهن الراحلة ام فاضل: انا افتخر باولادي واعتز بهم لانهم لم يسرقوا ولم يقتلوا احدا، بل ناضلوا وعملوا من اجل الشعب والوطن. اما الاب الشيخ عبد جزعول فكان اهله وابناء عمومته يلومونه ولا يقتربوا منه خوفا من ازلام النظام وفعلا انقطع الشيخ الجليل عن الحضور الى التجمعات العشائرية لان اغلب الناشطين بها هم من اعوان النظام والهتافين.
هكذا تعرضت العائلة الطيبة التي يفتخر بها ابناء الصليخ لسلوك ابنائها واخلاقهم العالية وصدقهم وحبهم لعمل الخير ومساعدتهم للآخرين. تحية مجد واستذكار لشهدائنا الابرار هادي وعادل وسعد وعبلة ابناء الانسان الطيب عبد جزعول ولكل شهداء الوطن والحزب والخزي والعار للقتلة والى مزبلة التاريخ.

شهداء الحزب