شهداء الحزب

لنتذكر هذا الشيوعي الباسل: طالب باقر "أبو رياض".. / عطا عباس

هو الفلاح والكادر الحزبي الموهوب طالب باقر ، أو " أبو رياض "، كما أشتهر في السر والعلن في أرياف الفرات الأوسط...
كان " معلمي الريفي " بامتياز. زاملته كظله، كابن ورفيق طوال سنوات ثلاث، حتى وقوع فاجعة اعتقاله.
في شباط من عام ١٩٧٩ تحديدا، كان " أبو رياض " أول وجه شيوعي أقابله في مفتتح " عالمي الجديد ! " ودروب عمله السرية، بعد أن أجبرت على مغادرة مقاعد الدراسة الجامعية نهائيا.
كان الملتقى فجرا، وفي بستان محاذ لشط الحلة تماما، وعلى تخوم " قرية البوشناوة " البطلة، تعود ملكيته الى شهيد شيوعي أخر هو المرحوم " عباس خضير ".
هناك سمعت منه الدرس الاول والحاسم :
"أنك لا تزال يافعا والطريق طويل ووعر، فاتخذ قرارك بروية وحزم"...
وذاك ما كان وللأن !...
ولد طالب باقرفي مفتتح أربعينيات القرن المنصرم لعائلة فلاحية فقيرة في قرية "البو سرية "، احدى القرى التابعة لناحية الكفل في محافظة بابل. وكغيره لم ينل حصته من التعليم، فنشأ أميا، ولكن الى حين !...
كانت " منطقة خفاجة " في منتصف الخمسينيات حيث نشأ، تموج بحركة رفض واسعة لسلطة الأقطاع وأذنابهم نتيجة العمل النشط والدؤوب لحفنة من الشيوعيين البواسل، يتقدمهم الشهيد البطل، الفلاح والكادر الحزبي النادر كاظم الجاسم...
كان " طالب " ينصت بانتباه ويسأل بوجل، قبل ان يحسم نهائيا طريقه الكفاحي اللاحق. وقد رافقته هذه الخصلة حتى لحظة استشهاده بعد ذلك بسنوات.
وبشهادته لي لاحقا، كان هناك شهيد اخر قد سبق وأن وضع يده نهائيا على هذا الفلاح والفتى الصامت والحيوي في أن.
وكان ذاك الشهيد هو الفلاح، والكادر الشيوعي عباس خضير، وقد أوصى رفاقه به خيرا...
مع نجاح ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨، نجح " طالب " أيضا في الاختبارات المتتالية له في كيفية تحشيد الفلاحين دفاعا عن الثورة وقانون الإصلاح الزراعي، ومعهما نجح أيضا في مغادرة " أميته " نهائيا، وبعون حاسم من رفاقه،وليتحول الكتاب الى انيس دائم ، فاتحا له مغاليق عالم من النور والمعرفة الانسانية الثرة.
لكن نقطة تحوله الحاسمة جاءت مباشرة أثر انقلاب شباط الدموي عام ١٩٦٣ !...
لقد اكتسب في ذلك العام الصعب عضويته الحزبية كاملة، ووجد نفسه دفعة واحدة إزاء مهمة جسيمة :
المساهمة الجادة في إعادة بناء تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي في أرياف محافظتي بابل والنجف، والتي دمرها الفاشست بلا رحمة.
لقد تحول "طالب" حينها بحق الى ساعد أيمن للشهيد البطل كاظم الجاسم، وتفتح بهدوء عن موهبة تنظيمية نادرة لكادر فلاحي سيقدم الكثير لحزبه في سنوات عمله اللاحق.
وتحول أيضا الى رقم صعب لأجهزة السلطة وزبانيتها، وبدأ ينسج أسطورته الباقية للان مع كل من عرفه أو التقاه أو عمل معه، ولو لحين.
بعد خراب " الجبهة الوطنية " كانت الأنظار تتجه ثانية الى طالب باقر!...
لم يتردد أبدا هو ورفيقاه : كاظم عبيد أبراهيم " ابو رهيب "، وجبار جاسم " ابو عبيس "، لم يتردد في أخذ زمام المبادرة الحاسمة في الحفاظ على من تبقى من رفاق وتنظيمات، وشحذ الهمم ثانية لعبور الحزب محنته الجديدة.
في اجواء معقدة كتلك التقيت طالب باقر ، عضو منطقة الفرات الأوسط!...
وفِي اجواء كتلك أيضا، تعلمت منه ابجديات العمل الحزبي في أرياف العراق المختلفة.
للأن أتذكر منه طلبا غريبا بلا حدود:
في نيسان عام ١٩٧٩ طلب مني ان نستعد لزيارة ليلية الى المدعو " محسن الشعلان " في منطقة " الطهمازية "، غير البعيدة عن مركز مدينة الحلة...
كان المذكور مسؤولا للجمعيات الفلاحية على مستوى العراق، وأحد مدللي الدكتاتور عندما كان يكنى ب" السيد النائب "...
كان رد فعلي العفوي والفوري: "كيف حسبتها"؟...
أجاب : " لا تخف، سوف لن يفعل شيئا، لقد تقاطع معي في ستينيات القرن المنصرم عندما كان لخط البعث نفوذ محدود جدا في الريف ونسجت معه علاقة ما... دعنا نرى كيف يفكر هؤلاء بعد ان أكل " السيد النائب " الدولة والحزب معا " ؟...
وذاك ما كان...
لقد رحب بِنَا الرجل، ومع مغادرتنا لبيته، فاجأنا بطلب غريب : ان يكون " شفيعنا " لدى الجهات الأمنية في بابل أو بغداد، وننهي عملنا الحزبي، كشيوعيين رافضين للسلطة وتوجهاتها الاجرامية !...
استمعنا له، قبل ان يرد طالب باقر حرفيا :
"أشكرك جدا، لكني أقول لك بصدق: تلمس رقبتك يوميا، فصاحبكم "يقصد صدام" قد بدأ بالشيوعيين، ولكنه سينتهي بكم حتما، وسنرى"!...
وذاك ما كان : ذهب محسن الشعلان مع جملة من كوادر البعث في مؤامرة مزعومة بعد اقل من ٣ أشهر، في تموز من العام ١٩٧٩....
لم يشمت الراحل بذلك، لكنه اخبرني، بأن من المستحيل علينا تعزية عائلة المغدور في ظروفنا الحالية.
في بداية عام ١٩٨٠، اعتقل ابنه البكر نعمة لدى مديرية أمن بابل، كوسيلة غير شريفة للمساومة، وليتم تصفيته ويغيب نهائيا حتى اللحظة.
في الاول من أيار عام ١٩٨٢، وقع الشهيد طالب باقر في كمين غادر في " منطقة برس " بعد يوم واحد فقط من أفتراقنا في منطقة " النبي أيوب " على آمل اللقاء بعد يومين لا غير!...
في السجن بدأت صفحة ناصعة أخرى من صمود هذا الوطني الكبير...
(سأكتب عنها وعن شهودها الأحياء في مناسبة قادمة )...
للفلاح وعضو منطقة الفرات الأوسط طالب باقر المجد والخلود...
وللحزب الذي أنجبه ديمومة البقاء والتوهج...

شهداء الحزب