من الحزب

أضواء على موضوع تنفيذ المادة 140 وتنظيم الاستفتاء في كركوك*

على الرغم من كل الجدل والطعن الذي يوجه إلى المادة 140 من دستور العراق والمتعلقة بالمناطق المتنازع عليها ، وبضمنها كركوك، فإن هذه المادة لا تزال المرجعية الدستورية الوحيدة المتوفرة للتعامل مع قضية تحديد وجهة ارتباط المناطق المتنازع عليها، بما فيها كركوك. وفي حال رفض هذه المادة واستبعادها، فإن مصير تلك المناطق ستحدده في المطاف الأخير موازين القوى بكل عناصرها، والتي ستمكن الطرف الأقوى من فرض حلّه كأمر واقع على الأطراف الأخرى.
ونتيجة لافتقار جميع الاطراف الى الإرادة السياسية للتوصل إلى توافقات تسمح بتنفيذ المراحل الثلاث التي تنص عليها المادة، وهي التطبيع والاحصاء ثم الاستفتاء، فإن وضع كركوك والمناطق الأخرى المتنازع أو المختلف عليها ظل معلقا دون حل حاسم طيلة السنوات الماضية، ما زاد المشاكل القائمة تعقيدا وعمق الاختلالات في إدارة تلك المناطق.
وفي الأيام الأخيرة شهدت الأوضاع في كركوك أحداثا متسارعة ، كان آخرها إتخاذ مجلس محافظة كركوك قرارا، في غياب اعضائه العرب والتركمان الذين انسحبوا من جلسته، يطالب الحكومة الأتحادية بتنفيذ الأستفتاء. وبغض النظر عن الجدل الدائر بشأن قانونية ودستورية قرار مجلس المحافظة هذا، يمكن تقديم بعض الاضاءات للأسباب التي حالت دون انجاز مرحلة التطبيع ، والانتقال منها إلى مرحلتي الاحصاء والاستفتاء.
لقد واجهت لجنة تنفيذ المادة 140 في عملها أثناء فترة ترؤسي لها خلال الفترة من آب 2007 الى حزيران 2011، مجموعة من العوائق التي حالت دون ذلك.
فالأصل هو إنهاء مرحلة التطبيع كي تبدأ مرحلة الاحصاء، ثم بعدها الاستفتاء.
والتطبيع يستدعي : إعادة المرحلين الى ديارهم الاصلية، وحل مشكلة الوافدين بتخييرهم بين العودة الى مناطقهم التي جاءوا منها مع التعويض، أو البقاء من دون حق المشاركة في الاستفتاء. ويقوم عمل اللجنة في الأصل على تنفيذ مبدأ تعويض المتضررين الذين يختارون الرجوع الى مناطقهم الاصلية، وهذا يتطلب تخصيص المبالغ اللازمة لدفع التعويضات، والتي تزيد حسب تقديراتنا على ثلاثة مليارات دولار. الا أن المبلغ الذي كان يخصص سنويا هو 150 مليون دولار، ما يعني ان إنجاز عملية التعويض يحتاج الى 10 سنوات على الاقل، خاصة في ظل امتداد نشاط اللجنة إلى مناطق الوسط والجنوب.
والعائق الثاني امام استكمال التطبيع هو رسم الحدود الإدارية للمنطقة المعنية. ذلك أن إجراء الاحصاء، وكذلك الاستفتاء، يتوقف على تحديد المنطقة المشمولة بالمادة 140. فهنا ينبغي أن نجيب على السؤال التالي: أين نجري الاستفتاء، في اية منطقة، خاصة في ما يتعلق بكركوك؟ هل المقصود المحافظة كلها؟ وإذا كان الجواب بنعم، فهل المحافظة في حدودها الحالية، أم في حدود 1968؟ وإن كان المقصود محافظة كركوك بحدود 68، فينبغي اتخاذ قرار بشأن المناطق التي استقطعت منها، والمناطق التي الحقت بها.
هناك آلية لمعالجة هذا الموضوع نصت عليها المادة 58 من قانون إدارة الدولة، والتي ضمنت في المادة 140 من الدستور، وهي تقضي بصدور مقترح من رئاسة الجمهورية بالإجماع، يؤشر المناطق المستقطعة والملحقة والحدود الإدارية، ويبت في موضوع اعادة المناطق إلى المحافظة أو اي اجراء آخر. وفي حالة إخفاق الرئاسة (المكونة وقتها من الرئيس ونائبين) في التوصل إلى اجماع، يمكن الاستعانة بمحكم من خارجها .
وكانت لجنة تنفيذ المادة 140 قد طرحت في حينه مقترحاً بخصوص المناطق التي أستقطعت أو أضيفت إلى كركوك، وجاء ذلك في تقرير تم تقديمه إلى رئاستي الوزراء والجمهورية في 31/12/2007، ليكون منطلقا للنقاش والمعالجة. وبالاستناد إلى حقيقة أن جميع الاستقطاعات والاضافات التي تمت في كركوك جرت بهدف تغيير التكوين السكاني للمحافظة، وان قرارات مجلس قيادة الثورة التي مازالت سارية تعيق حل العديد من المشكلات و الحقوق، حيث تحول المشكلات المترتبة على تلك القرارت إلى هيئة نزاعات الملكية أو غيرها، في حين أنها في الأصل قرارات اتخذها النظام السابق لتشمل جموعاً من مكونات معينة على أساس قومي، فالأمر يستدعي الغاء هذه القرارات ليكون الالغاء معالجة جمعية، تماماً كما كانت القرارات تستهدف جموعا من مكون معين.
وفي حينه (عام 2007) تم التشديد على أن عدم الغاء المجموعة ذات الصلة من قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل، والتي تم تحديدها في تقارير اللجنة، يشكل عائقا جديا امام عملها، كونها (القرارات) كرست نهجاً شوفينياً واضحاً.
ولهذه المهمة ينبغي أن يتصدى مجلس النواب بناء على إحالة من أحد طرفي السلطة التنفيذية: رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء.
وهناك أيضاً قرارات لجنة شؤون الشمال برئاسة علي حسن المجيد، التي كانت تتمتع بقوة المراسيم أو القوانين ذاتها، وتتعلق بقضايا حقوق وأراضٍ وقضايا اخرى عديدة ، يقع الغاؤها ضمن صلاحية مجلس الوزراء.
أما بالنسبة للاحصاء، فالمطلوب في الأصل احصاء اهالي كركوك الاصليين الذين تحق لهم المشاركة في الاستفتاء، وليس اجراء احصاء عام لسكان كركوك. فهذا أمر آخر لن يساعد في الاعداد للاستفتاء، الذي يفترض ان يكون حق المشاركة فيه مقصورا على سكان كركوك قبل عام 1957 . ذلك ان المادة 140 في كل تفسيراتها معنية باستطلاع رأي سكان كركوك الأصليين، وهناك اجماع على تعريف السكان الاصليين بانهم من عاشوا في كركوك قبل عام 1957. وهذا أمر يمكن حله حتى بدون اللجوء إلى احصاء، فهناك سجلات تم اعدادها من قبل لجنة تنفيذ المادة 140 بموجب وثائق العام 1957، وينبغي ادخال تعديلات عليها لتشمل ذرية الساكنين الاصليين. وهذه الوثائق متوفرة والمطلوب أن تتم معالجتها بموجب تكليف.
ولاجل ذلك لا بد من صدور قانون يقضي باجراء الاستفتاء، ومن توفير التخصيصات اللازمة لإجرائه.
وكان قد تم مبكراً تأشير حقيقة أن عدم انجاز كل هذه الخطوات نجم عن عدم تحقق توافق سياسي بين الاطراف صاحبة القرار في الحكم، لهذا ظل الملف يراوح مكانه منذ حوالي 10 سنوات.
وإذا ما ارادت الحكومة الاتحادية اليوم تنظيم استفتاء في كركوك يكون متوافقاً مع الدستور، فعليها معالجة النقاط آنفة الذكر.
*رائد فهمي
رئيس لجنة
المادة 140 السابق

من الحزب